الروايات المأثورة وسياق إظهار الجسد:
يخبر الله تعالى عن مآل جثة الطاغية فرعون؛ حيث قضت حكمته أن يُقذف بجسده الهامد إلى الساحل، ليرى بنو إسرائيل بأعينهم مصرع من استعبدهم سنيناً، وتنقطع كل شكوكهم في هلاكه.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 175)مصدر غير محدد١٥/١٧٥ بسنده عن ابن عباس قال: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون وقالوا: ما مات فرعون وما كان ليموت! فأمر الله البحر فلفظه بجسده على ساحل البحر، وكان يعرف بدرعه ولونه، فنظروا إليه ميتاً بعد أن كان يملأ القلوب رعباً.
وروى الطبري عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}: أي نلقيك بجسدك سالماً لا روح فيه على نجوة من الأرض (أي مكان مرتفع)، {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}: عبرة وعظة لمن بعدك من الطغاة وممن كان يعبدك ويعظمك، ليعلموا أنك كنت عبداً بشرياً ضعيفاً لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة.
وأخرج ابن كثير (4/ 292)مصدر غير محدد٤/٢٩٢ أن نجاة بدنه لم تكن نجاة حياة وكرامة، بل كانت نجاة جسد هامد عارٍ من الروح ليكون عبرة للعالمين، ثم ذيل تعالى بقوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}؛ أي لا يتفكرون في هذه البراهين والعبر العظمى ولا يعتبرون بمصارع الطغاة.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 371)مصدر غير محدد٨/٣٧١: قال: البدن هنا الجسد بلا روح، وقيل: درعه الحديدي المنسوب إليه. والأول أصح وهو قول الجمهور؛ أي نرفعك بجسمك كاملاً لتشاهده الأبصار.
السعدي(ص 373)مصدر غير محدد٣٧٣: بَيَّن أن الآية إعجاز تاريخي وكوني مستمر؛ فبقاؤه جسداً عبرة لكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، ومع وضوح هذه الآيات فإن الغفلة غالبة على أكثر الخلق.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 151)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٥١: أشار إلى دقة التعبير القرآني في التفريق بين نجاة النفس ونجاة البدن؛ فنجاة البدن مجردة من الحياة هي عين الخزي والفضيحة للمتكبر الذي ادعى الألوهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نُنَجِّيكَ
من التنجية، وتأتي بمعنى الخلاص، وتأتي بمعنى الرفع على النجوة؛ وهي المكان المرتفع من الأرض المشرف على ما حوله، وكلا المعنيين مراد؛ أنجاه من قاع البحر وألقاه على نجوة من الساحل.
بِبَدَنِكَ
البدن الجسد دون الروح، ويطلق أيضاً على الدرع القصير، والمعنى الأول هو الأصل اللغوي المطابق لجمهور المفسرين.
آيَةً
علامة وأمارة بينة تدل على قدرة الله وهوان الظالمين.
لَغَافِلُونَ
من الغفلة؛ وهي سهو يعتري القلب فيمنعه من التنبه للحقائق والاتعاظ بالعبر.
فَالْيَوْمَ
الفاء استئنافية أو فصيحة، اليوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ{نُنَجِّيكَ}.
نُنَجِّيكَ
فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.
بِبَدَنِكَ
الباء للملابسة والمصاحبة أو سببية، بدنك اسم مجرور والكاف مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول به (أي متلبساً ببدنك جسداً لا روح فيه).
لِتَكُونَ
اللام لام التعليل، تكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت.
لِمَنْ
اللام حرف جر، من اسم موصول مبني على السكون في محل جر متعلق بـ{آيَةً} أو بالخبر.
خَلْفَكَ
ظرف مكان منصوب متعلق بصلة الموصول المحذوفة، والكاف مضاف إليه.
آيَةً
خبر تكون منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمصدر المؤول {لِتَكُونَ...} في محل جر باللام متعلق بـ{نُنَجِّيكَ}.
وَإِنَّ
الواو حالية أو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب.
كَثِيرًا
اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِّنَ النَّاسِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{كَثِيرًا}.
عَنْ آيَاتِنَا
جار ومجرور متعلقان بـ{غَافِلُونَ}.
لَغَافِلُونَ
اللام المزحلقة، غافلون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني والإعجاز المستقبلي:
الربط بين غرقه المذل في الآية السابقة وبين إخراج جسده في هذه الآية: يكتمل به المشهد؛ فالطاغية الذي ملأ الدنيا رعباً تحول إلى جثة منتفخة ملقاة على الطين تأكل منها الأسماك وتشاهدها أعين الضعفاء، ليسقط صنم الخوف في نفوس البشر.
التذييل بـ{وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}: تنبيه وتحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولكل قارئ للقرآن ألا يكونوا كأولئك الغافلين الذين تمر بهم العظات والقوارع دون أن تتحرك قلوبهم للتوبة والإنابة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حفظ جثة فرعون والتطابق التاريخي المعجز:
من وجوه الإعجاز القرآني الباهر أن القرآن نص صراحة على نجاة بدن فرعون بالذات ليكون آية للأجيال اللاحقة {لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}؛ وهذا أمر لم تذكره التوراة المحرفة ولا الأناجيل ولا كتب المؤرخين القدماء، بل كان الاعتقاد السائد أن الغريق يتلاشى في قاع البحر، حتى كشفت الحفريات الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر عن مومياء فرعون الخروج محنطة محفوظة بدقة تامة تحكي قصة موته غرقاً، في برهان مادي ناصع على صدق الوحي المنزل على نبي أمي لم يعاين المومياوات ولم يقرأ الآثار.
التعبير بـ{نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}: تهكم لطيف بالطاغية؛ فكلمة التنجية تشعر أول الأمر بالسلامة والأمن، لكن قوله {بِبَدَنِكَ} يقيدها بكونها نجاة عارية من الحياة، فلا روح فيها ولا كرامة، فتحولت النجاة إلى أعظم مظهر من مظاهر الهوان والتشهير.
تنكير {آيَةً}: لإفادة التعظيم؛ أي آية باهرة خارقة للعادة دالة على كمال قدرة الله وانتقامه.
تقديم المتعلق {عَنْ آيَاتِنَا} على الوصف {لَغَافِلُونَ}: للاهتمام بموضع الغفلة والتشنيع على من يغفل عن آيات الله العظمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
نهاية الظلم محتومة ومخزية؛ مهما طال أمد الاستبداد وامتلك الطاغية من الجيوش والدعايات.
ضرورة اليقظة القلبية وتأمل سنن الله في الأمم السابقة ومصائر الجبابرة حتى لا يصاب المؤمن بداء الغفلة القاتل.
الاعتبار بمشاهد التاريخ وربطها بالهدايات القرآنية لترسيخ العقيدة واليقين بصدق هذا الدين.