الروايات والتفسير المأثور:
يخبر الله تعالى عن الموقف الصريح والمباشر الذي وقفه فرعون وملؤه فور مواجهتهم للحجج، حيث وصفوا الحق البين بالسحر الظاهر.
ذكر ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 144)مصدر غير محدد١٥/١٤٤ عن قتادة والسدي: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا}: أي الآيات والمعجزات التي أيد الله بها موسى، وهي صادرة من لدن حكيم عليم، قابلوها بالبهتان وقالوا: {إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}؛ أي سحر ظاهر واضح لا خفاء به.
وعلق ابن كثير (4/ 285)مصدر غير محدد٤/٢٨٥: أنهم قلبوا الحقائق، فسموا الحق سحراً، والحجة بهتاناً، وهذا ديدن كل معاند مكابر يعجز عن مجابهة الحجة بالبرهان فيلجأ إلى تشويهها بالافتراء والرمي بالأوصاف الشنيعة.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 358)مصدر غير محدد٨/٣٥٨: قال: سموا المعجزة سحراً كراهة للإذعان والانقياد للحق، وإيهاماً للعوام أن ما أتى به موسى من جنس ما يأتي به سحرتهم.
ابن القيم(إغاثة اللهفان: 2/ 256)إغاثة اللهفانابن القيم٢/٢٥٦: استشهد بالآية في بيان حيلة أهل الباطل في تسمية الحقائق بغير أسمائها المنفرة، فرمي الأنبياء بالسحر هو وسيلة لتنفير الناس وصرفهم عن سماع الوحي وتأمل المعجزات.
السعدي(ص 371)مصدر غير محدد٣٧١: نبه على أن قيد {مِنْ عِندِنَا} فيه تشريف للحق وبيان لعظمته؛ فإن ما جاء من عند الله محفوف بالنور والبرهان، فقابلوا نور الله بأظلم العبارات والاتهامات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّبِينٌ
اسم فاعل من أبان الرباعي، ويأتي لازماً بمعنى بين وواضح وظاهر، ومتعدياً بمعنى مظهر وكاشف للحقائق، والمراد هنا أنه سحر بيّن ظاهر الفساد بزعمهم.
السِّحْرُ
في اللغة صرف الشيء عن حقيقته، وكل ما لطف مأخذه ودق ولطف فهو سحر، واستعملوه هنا بقصد الخداع والتمويه وإخراج الباطل في صورة الحق.
فَلَمَّا
الفاء عاطفة تفيد التعقيب، {لَمَّا} اسم شرط غير جازم متضمن معنى الحين ظرف زمان مبني على السكون متعلق بجوابه {قَالُوا}.
جَاءَهُمُ
فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم، والميم علامة الجمع وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
الْحَقُّ
فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
مِنْ عِندِنَا
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الحق، و(نا) ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعله، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب شرط غير جازم.
إِنَّ
حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
هَٰذَا
الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم إن.
نعت لـ{سِحْرٌ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة {إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والربط:
جاءت هذه الآية نتيجة لقوله في الآية السابقة: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}؛ فبينت تفصيل هذا الاستكبار ومظهره القولي؛ إذ لم يكتفوا برفض الحق في قلوبهم بل أعلنوا بوقاحة رميه بالسحر المبين لتثبيت أتباعهم على الضلال.
التشابه والاختلاف في النظم القرآني:
هذا التعبير تكرر في مواضع شتى من القرآن بحق كفار قريش ومشركي العرب حين كانوا يقولون للقرآن: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن مقالة مشركي مكة هي ذاتها مقالة فرعون وملئه عبر العصور؛ فالباطل ملة واحدة وشبهاته متوارثة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة دعوى السحر عقلياً:
كيف يصح عقلاً أن يكون ما أتى به موسى سحراً؟
إن المعجزة تقلب حقائق الأعيان قلباً ذاتياً حقيقياً، كالعصا التي انقلبت ثعباناً مبيناً يلتهم الحبال والعصي ويتحول لحماً ودماً وعظاماً، ثم تعود عصا خشبية كما كانت. بينما السحر تخييل وتمويه بصري قائم على خفة اليد والتأثير على حواس الناظرين دون تغيير جوهر المادة {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}.
وفرعون وملؤه كانوا يعلمون هذا الفرق قطعاً، ولكن المكابرة دفعتهم إلى إطلاق لفظ السحر لإيجاد منفذ نفسي للعوام حتى لا يتبعوا موسى.
المقابلة التامة بين {الْحَقُّ} وقولهم {لَسِحْرٌ}؛ فالحق هو الثابت الراسخ الذي لا يتغير، والسحر هو الباطل الزائل القائم على الوهم؛ فقابلوا حقيقة الوجود بأكذب الباطل.
التأكيد بـ{إِنَّ} واللام في {لَسِحْرٌ} مع وصفه بـ{مُّبِينٌ}: يدل على مبالغتهم في التضليل، وكأن الأمر عندهم من الوضوح واليقين بحيث لا يحتاج إلى تردد! وهذا شأن المكابرين حين يقابلون الحقائق البديهية بأعلى درجات الإنكار اللفظي.
إضافة {مِنْ عِندِنَا}: تشريف لمصدر الرسالة ودلالة على استحالة بطلانها لأنها صادرة من الحق المطلق سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدروس العملية والتربوية:
ضرورة إدراك أساليب التشويه الإعلامي والفكري التي يمارسها أهل الباطل عبر التاريخ؛ فقلب المصطلحات وتسمية الطاعات رجعية، والتمسك بالدين تشدداً، والحق سحراً، هي استراتيجية قديمة موروثة.
ثبات أهل الإيمان ورباطة جأشهم أمام الاتهامات المغرضة؛ فإن رمي الداعية بأقبح النعوت لا ينقص من قدر الحق الذي يحمله شيئاً.