الروايات المأثورة وسياق التقرير الإلهي:
يخبر الله جل وعلا عن حكمه القدري والشرعي بإعلاء كلمة الحق وتثبيتها وإظهار براهينها على رؤوس الأشهاد، رغم مقت المجرمين وكراهيتهم لذلك.
روى ابن جرير الطبري (15/ 151)مصدر غير محدد١٥/١٥١ بسنده عن قتادة: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}: أي يثبته ويبينه ويوضحه بأمره وقدرته وحججه، وكلماته: هي أمره الكوني كقوله: "كن"، وأمره الديني من الوحي والبينات والمعجزات الصادقة.
وأخرج ابن كثير (4/ 287)مصدر غير محدد٤/٢٨٧ أن الله تعالى يظهر دينه وينصر رسله ويُعلي براهينه بما أنزل من وحي، وبما قدر في سابق علمه من نصرة أوليائه وقمع أعدائه، ولو كره ذلك المشركون المجرمون الذين يحاربون هدى الله.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 362)مصدر غير محدد٨/٣٦٢: بَيَّن أن إحقاق الحق هو إظهاره وإعزازه وإلزام الخلق به، وكلمات الله هي آياته ومواعيده التي وعد بها رسله بالنصر والتمكين.
السعدي(ص 372)مصدر غير محدد٣٧٢: قال: {بِكَلِمَاتِهِ} أي بما أودع في دينه وكتبه من البراهين والآيات القاطعة، وبما قضى في سابق قدره من نصر الحق وجعله غالباً على كل باطل، فلا عبرة بكراهة المجرمين ولا قيمة لحشدهم.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 148)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٤٨: ربط بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة الشورى: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، وقوله في الأنفال: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}، موضحاً أن كلمات الله النافذة لا يستطيع أحد ردها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُحِقُّ
من أحق الشيء يحقه، إذا أثبته وأوجبه وجعله حقاً واقعاً لا مدفع له، وضده الإبطال.
بِكَلِمَاتِهِ
الكلمات جمع كلمة، وتطلق على وحي الله وأمره وتقديره ووعده الذي لا يخلف.
كَرِهَ
الكره ضد الرضا والمحبة، وهو نفور النفس واستثقالها للأمر.
وَيُحِقُّ
الواو عاطفة أو استئنافية، يحق فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
الْحَقَّ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
بِكَلِمَاتِهِ
الباء للسببية أو الاستعانة أو الملابسة، كلمات اسم مجرور والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بـ{يُحِقُّ}.
وَلَوْ
الواو حالية، لو شرطية وصلية تفيد التقليل والمبالغة.
كَرِهَ
فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم أو شرط.
الْمُجْرِمُونَ
فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله، أي: ولو كره المجرمون فالله محقه ومظهره لا محالة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر النظم والتذييل:
بعد أن نفى صلاح عمل المفسدين في الآية السابقة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}، جاء الإثبات الإيجابي المضاد في هذه الآية {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ}؛ فالمنهج الإلهي يجمع بين التخلية والتحلية: إبطال الباطل ومحقه أولاً، ثم تثبيت الحق وإعلاؤه ثانياً.
التعبير بـ{الْمُجْرِمُونَ} دون الكافرين: للتأكيد على أن عداوتهم للحق ناتجة عن انغماسهم في الجرائم ومحاربة العدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية نصر الحق رغماً عن القوى المادية:
تؤكد الآية معادلة الوجود العظمى: أن موازين القوى ليست خاضعة لرغبات أهل الجرم وكراهيتهم، بل هي محكومة بكلمات الله التكوينية والتشريعية؛ فإذا أراد الله نصر قضية سخر لها أسباب النصر من حيث لا يحتسب أحد، كما انقلبت عصا موسى فالتهمت حبال السحرة، فتحول السحرة من كفار محاربين إلى شهداء ساجدين في ساعة واحدة.
الجناس الاشتقاقي البديع بين {يُحِقُّ} و{الْحَقَّ}: وهو جناس يعطي الكلام رصانة وجزالة تدل على تلازم الفعل والنتيجة؛ فالله هو الحق ولا يصدر منه إلا إحقاق الحق.
الجملة الشرطية الاعتراضية {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}: جاءت للمبالغة وقمع طمع الخصوم، ومجيء "لو" الوصلية لإفادة أن إحقاق الحق حاصل في كل حال، حتى في أشد الأحوال معارضة وهي كراهية المجرمين له واجتماعهم على صده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
رسوخ اليقين بأن الحق منصور بوعد الله وكلماته، فلا يهن المؤمنون ولا يحزنوا بسبب كراهية الأعداء وتكالبهم.
معيار النجاح ليس نيل رضا المجرمين بل تحقيق مراد الله وكلماته؛ فإن كراهيتهم للحق علامة على صفائه ومباينته لباطلهم.