فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
بينت الآية الكريمة النتيجة الحتمية المفجعة لذلك الاستكبار، حيث لم تنفعهم حصونهم المنحوتة في الصخر، ولا أموالهم، ولا قوتهم الجسدية، ولا صناعاتهم ومكاسبهم الدنيوية التي افتخروا بها واشتغلوا بها عن عبادة الله. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة والحسن في قوله: {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} قالوا: "ما رد عنهم عذاب الله ما كانوا يجمعون من الأموال، وما كانوا ينحتون من الجبال من الحصون والبيوت والآلات، بطل ذلك كله وذهب ولم يدفع عنهم من بأس الله مثقال ذرة". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "ما كانوا يكسبون: يعني أعمالهم الخبيثة من الشرك والتكذيب لم تغن عنهم، وكذلك أموالهم ومنازلهم لم تمنعهم من عقاب الله". وقال الإمام القرطبي: "أي ما دفع عنهم ولا نفعهم ما كسبوه من القوة والمال وبناء الحصون والقصور في الجبال حين جاءهم أمر الله".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النظم المحكم خاتمة حاسمة لقصة أصحاب الحجر؛ فبعد أن سرد تاريخ قوتهم وهندستهم ونحتهم للجبال {آمِنِينَ}، فاجأهم بالصيحة {مُصْبِحِينَ}، ثم عقب مباشرة بتقرير الحقيقة الكونية المجردة: {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. والتعبير بصيغة الاستمرار الماضي {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يستوعب كل تاريخهم الحضاري؛ فكل ما تعبوا في بنائه وجمعه وابتكاره طوال قرون مديدة تبخر وصار هباءً منثوراً في ثوانٍ معدودة. وهذا التناسب يوجه لطمة قوية لكفار قريش ولكل حضارة مادية مغترة بأموالها؛ ليعلموا أن رأس المال والمكاسب التقنية لا تزن شيئاً في ميزان الله إذا خلت من الإيمان والتقوى.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تصحيح مقاييس النفع الحقيقي: المال والقوة والجاه إن لم تستعمل في طاعة الله كانت وبالاً وحسرة على صاحبها يوم القيامة وعند حلول النوازل. 2. التحذير من الغرور بالرصيد المادي: على الأفراد والدول ألا يغتروا باقتصادهم أو تقدمهم العلمي إن كانوا محاربين لدين الله وفطرته. 3. تقديم الكسب الأخروي على الكسب الدنيوي: التوازن في حياة المسلم؛ فيسعى في طلب الرزق المباح ويعمر الأرض، مع تعليق القلب برضا الله والفوز بالجنة.