قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
جاء في تفسير أئمة السلف أن قول إبراهيم عليه السلام هذا لم يكن تكذيباً لبشارة الملائكة ولا تشكيكاً في قدرة الله تبارك وتعالى، بل كان تعجباً واستعظاماً للقدرة الإلهية الخارقة للعادة، وإظهاراً للعجز البشري والافتقار التام إلى فضل الله ومشيئته. أخرج الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك على وجه التعجب من ولادة الولد في سن الشيخوخة العالية؛ إذ كان سنه آنذاك قد جاوز المائة سنة (وقيل مائة وعشرين سنة)، وكانت امرأته سارة عاقراً عجوزاً بلغت نحو تسعين سنة. وروى البغوي وابن كثير عن قتادة قال: "تعجب إبراهيم عليه السلام من كبر سنه وكبر سن امرأته، فقال: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}؟ أي: بأي أعجوبة وبأي أمر خارق للعادة تبشرونني؟". وقال الإمام القرطبي: "الاستفهام في قوله: {أَبَشَّرْتُمُونِي} استفهام تعجب من نفوذ القدرة الإلهية فيما جرت العادة باستحالته، لا استفهام إنكار ولا رد لبشارة الصادقين".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بسابقتها ارتباط التجاوب الحواري الحي؛ فحين قرع سمعه النبأ المعجز بالبشارة بالولد، تحركت فيه الطبيعة البشرية العارفة بسنن الله المألوفة في عالم الأسباب، فنازعته حالته الظاهرة (الشيخوخة العاتية وعقم الزوجة) مع ما ينتظر من الوعد الإلهي النافذ. وجاء التعبير بقوله {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ} مستعملاً حرف (على) المفيد لتمكن الوصف واستعلائه، أي أن الكبر قد أحاط بي وغلب عليّ حتى صرت ملابساً له، والتعبير بـ {مَّسَّنِيَ} تلطف في إسناد أثر الزمان وضعف الجسد. ثم قوله {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفريع مدهش؛ فكأنه يقول: بأي أمر عظيم القدر وشأن باهر تبشرون؟ هل تبشرون بأمر يقع ضمن المألوف، أم بأمر هو محض القدرة الربانية القاهرة للنواميس الطبيعية؟ فكان سؤاله طلباً لتفصيل وجه المعجزة وتقرير الحقيقة المطلقة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاعتراف بالضعف البشري: شأن الصديقين والأنبياء استحضار الضعف والفقر الذاتي؛ فالإنسان مهما علا قدره يظل مقيداً بضعفه وافتقاره إلى فضل خالقه وبارئه. 2. الفرح بنعمة الله واستعظامها: للمؤمن أن يعبر عن دهشته وفرحه البالغ بنعم الله غير المتوقعة، وأن يلهج لسانه بحمد الله الذي يسوق الخيرات من حيث لا يحتسب العبد. 3. أدب الخطاب عند المفاجآت: مراجعة المخبرين والاستيضاح منهم بطمأنينة وحكمة للتأكد من وجوه الخير والاستبشار بدقائق المنح الإلهية.