وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
انتقلت السورة الكريمة إلى استعراض نبأ الأمة التي سميت السورة باسمها تكريماً لنبيها واعتباراً بمصيرها، وهم أصحاب الحجر (ثمود قوم صالح عليه السلام). روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: "أصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح عليه السلام، والحجر وادٍ معروف بين المدينة المنورة وتبوك بالشام، نزلوا به وبنوا فيه مساكنهم، فلما بعث الله إليهم صالحاً كذبوه فصاروا مكذبين لجميع المرسلين". وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يعلفوا الإبل ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وقال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع بردائه وأسرع في مسيره حتى جاوز الوادي". وقال الإمام القرطبي: "سماهم أصحاب الحجر لإقامتهم في ذلك الوادي الحصين؛ وتكذيبهم لصالح تكذيب لجميع الرسل؛ لأن دعوة الأنبياء واحدة في التوحيد، فمن كذب واحداً منهم فقد كذبهم جميعاً".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا هو الموضع الفذ الذي تشرق فيه تسمية السورة: {سورة الحجر}؛ إذ ارتبطت بتلك الديار الصخرية الحصينة التي ظن أصحابها أن صخورها تحميهم من بأس الله، فجاء القسم الإلهي المؤكد بـ {وَلَقَدْ} ليقرر حقيقة تكذيبهم وهلاكهم. وجاء التعبير بـ {الْمُرْسَلِينَ} جمعاً مع أنهم لم يواجهوا مباشرة إلا نبيهم صالحاً عليه السلام؛ لتقرير الأصل العقائدي الراسخ بأن الرسل يمثلون رسالة واحدة وجبهة واحدة، وأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب سائر الرسل، كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}. وهذا التناسب يعمق الترهيب لقريش؛ فتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ليس تكذيباً لشخصه، بل هو تمرد على كل المرسلين ومواجهة لرب العالمين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. وحدة الصف الإيماني والدعوي: ينبغي للمؤمنين أن ينظروا إلى موكب الأنبياء والدعاة كصف واحد ممتد عبر الزمان، وأن يوالوا كل من دعا إلى توحيد الله. 2. التحذير من إبطال دعوات الحق: تكذيب الداعية المخلص هو طعن في ميراث النبوة الذي يحمله؛ فالعداء للحق عداء لرب العالمين. 3. أدب المرور بمواطن العذاب: اتباع الهدي النبوي الشريف عند المرور بديار ثمود (مدائن صالح) بالبكاء والخشوع والإسراع في الخروج، حذراً من مشاركتهم في الغفلة والعقوبة.