إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ
بينت الآية الكريمة مصير زوجة لوط، مستثناة من النجاة التي شملت آل لوط، ومحكومة بالبقاء في العذاب مع الهالكين؛ لممالأتها لقومها على الفاحشة وخيانتها لنبي الله في دينه وسره. روى الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد وابن عباس قالوا: "قوله: {إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} يعني: من الباقين في العذاب؛ كانت كافرة تدل قومها على أضياف لوط، فخانته بالدين والسر، ولم تكن خيانتها بفاحشة قط؛ فما بغت امرأة نبي قط، ولكن خانته بالكفر وممالأة المجرمين". وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: "قالت الملائكة: إلا امرأته قضينا بأمر الله أنها لمن الهالكين الباقين في الرجس والعذاب". وجاء في الصحيح وتفاسير السلف أن لوطاً أُمر أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته فإنها التفتت فأصابها ما أصاب القوم؛ ومصداق ذلك في سورة التحريم: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستثناء بعد تقرير النجاة العامة لآل لوط ليرسم الحد الفاصل الدقيق بين "القرابة الصورية" و"القرابة الإيمانية الحقيقية"؛ فامرأة لوط وإن كانت ملابسة له في الفراش وسكنى الدار، إلا أنها لما انسلخت من عقيدة التوحيد ومالأت المفسدين، قطعت وشيجة القرابة وسقطت في مهاوي الهلاك. وإسناد التقدير إلى نون العظمة {قَدَّرْنَا} مظهر لجلال القدرة الإلهية وعدالتها المطلقة؛ فالملائكة هنا يخبرون إما عن أمر الله الذي أمرهم به فقضوه تنفيذاً، أو أن الكلام من مقول الله تعالى حكاية لما قضاه في أزله. وفي نعتها بـ {مِنَ الْغَابِرِينَ} جمعاً مذكراً سالماً إشارة بيانية إلى أنها ألحقت بجمهور القوم المجرمين؛ فصارت جزءاً من ذلك الركام البشري الهالك ولم تشفع لها زوجيتها لنبي الله قيد أنملة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الولاء والبراء العقدي: رابطة العقيدة والدين مقدمة على كل الروابط الطينية والقرابات النسبية والزوجية؛ فالمرء يحشر مع من أحب ومن مالأ وناصر. 2. شؤم الرضا بالمنكر وممالأة أهله: امرأة لوط لم ترتكب الفاحشة بنفسها، ولكنها رضيت بها وأعانت المجرمين ودلتهم على الأضياف، فاستحقت الهلاك والعذاب الأليم؛ فالراضي بالذنب كفاعله. 3. لا غرور بالأسباب الصورية: قرب الإنسان من الصالحين ومخالطته للعلماء والأولياء لا ينجيه من عذاب الله إذا كان قلبه منطوياً على النفاق أو التكذيب؛ فالنجاة قائمة على العمل الصالح والقلب السليم.