إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
استثنت الملائكة من ذلك الإهلاك المستأصل الواقع بقوم سدوم لوطاً عليه السلام وأهل بيته المؤمنين الذين وافقوه على الهدى والإيمان وثبتوا على الطهر والعفاف. روى الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة والضحاك في قوله: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} قالوا: "استثنى الله عز وجل لوطاً وابنتيه ومن اتبعه على دينه من العذاب الذي أنزله بقومه، فأخبرت الملائكة إبراهيم أنهم سينجونهم جميعاً من الهلاك النازل". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: "لم يكن في القرية أحد على الإسلام والإيمان إلا بيت لوط، فنجاهم الله بأمر منه ورسالة ملائكته، وأهلك سائر أهل القرية". ومصداق ذلك في سورة الذاريات: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ}. وقال الإمام ابن كثير: "استثنوا آل لوط وهم أتباعه على دينه من أهل بيته وغيرهم إلا امرأته، وأكدوا نجاتهم مؤكدين بإنّ واللام لربط جأش إبراهيم وتطمين قلبه على ابن أخيه لوط عليه السلام".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستثناء في غاية البلاغة وتسكين خاطر إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ذلك أن إبراهيم لما سمع {إِلَّا آلَ لُوطٍ} تذكر على الفور ابن أخيه لوطاً عليه السلام المقيم بين أولئك المجرمين، فخشي عليه وعلى المؤمنين معه من الهلاك، فعاجلته الملائكة بالجملة التوكيدية المصدرة بـ {إِنَّا} والمؤكدة بـ {اللام} والمختومة بـ {أَجْمَعِينَ}: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ}. وتنكيس راية الهلاك أمام راية الإيمان ملمح عظيم في النظم القرآني؛ فالأكثرية المجرمة تهلك وتباد، والقلة المؤمنة المخلصة تنجى وتصان، ليعلم الخلق أن الميزان عند الله هو التقوى والعمل الصالح لا الكثرة الكاثرة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. عصمة المتقين ونجاتهم: حتمية النجاة للمؤمنين الصادقين عند نزول قضاء الله وعقوباته في الأمم الكافرة؛ فالله تعالى لا يضيع أجر المحسنين ولا يسوي بين المفسد والمصلح. 2. الاطمئنان لمعية الله وحفظه: رسالة طمأنينة لكل غريب مستضعف يعيش وسط مجتمعات ملوثة بالمنكرات؛ إن استقامتك وثباتك على الطهر يحميك من سخط الله، ويجعلك في كنف ألطافه. 3. مراعاة مشاعر المؤمنين وتطمينهم: استباق المخاوف والمسارعة إلى طمأنة قلوب الصالحين على إخوانهم المستضعفين من آداب النبوة والملائكة الكرام.