الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
بينت الآية الكريمة الوصف الدقيق لجريمة أولئك المقتسمين وبيان صنيعهم القبيح مع كتاب الله ووحيه، حيث فرقوه وجزأوه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، أو افتروا عليه وقالوا فيه أقوالاً متناقضة باطلة. روى البخاري في «صحيحه» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} قال: "هم أهل الكتاب، جزأوه أعضاءً، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه". وروى البخاري أيضاً بإسناد آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: "عضين: السحر والكهانة والكذب؛ عضهوه وفرقوه، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: كهانة، وقال بعضهم: أساطير الأولين". وروى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والحسن قالوا: "العِضِين: القطع والفرق؛ عضهوه أعضاءً كما تعضه الشاة لحماً مفصلاً، أي قطعوه قطعاً وفرقوه تفريقاً شتى؛ فجعلوه سحراً وكهانة وشعراً وأساطير، وصرفوا الناس عنه". وقال الإمام القرطبي: "العضين جمع عِضَة، وأصلها عِضْوَة أو عِضْهَة؛ مأخوذة إما من العَضْو وهو التجزئة والتفريق، يقال: عَضَّيْتُ الشاةَ تَعْضِيَةً إذا جعلتها أعضاءً وقسمتها، أو من العِضَه وهو الكذب والبهتان والسحر، ومنه قوله عليه السلام: (ألا أنبئكم ما العَضْه؟ هي النميمة القالة بين الناس)".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بالآية السابقة {عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} ارتباط النعت بالمنعوت أو البيان بالمبين؛ لتكشف النقاب عن المنهج التفكيكي الخبيث الذي اتبعه أعداء الوحي لمواجهة كتاب الله. فهم لم يواجهوه برفض كلي صريح فحسب، بل عمدوا إلى "التجزئة والتفريق وتوزيع التهم المتناقضة": {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}؛ ليصرفوا عنه كل طائفة من الناس بما يناسب هواها. وهذا النظم القرآني يفضح التناقض الداخلي في عقول المعاندين؛ فالذي يقول: سحر، يناقض من يقول: شعر، ومن يقول: كهانة، يناقض من يقول: أساطير؛ مما يثبت تهافت مواقفهم وأنهم قوم مبطلون لا يستندون إلى برهان.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. وجوب الالتزام التام بالقرآن كله: حذر القرآن من الانتقائية المزاجية في التعامل مع الشريعة؛ فالواجب على المسلم قبول أحكام الله كلها صغيرها وكبيرها. 2. فضح تهافت الشبهات الإعلامية: الطاعنون في القرآن تتناقض دعاواهم وتتضارب اتهاماتهم، وهو دليل قاطع على كذبهم وتخبطهم أمام إعجاز الكتاب المبين. 3. الدفاع عن تماسك الوحي وقداسته: واجب الأمة والعلماء صيانة القرآن من تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وبيان وحدته الموضوعية وتشريعاته المحكمة.