قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ
سجلت الآية الكريمة رد فعل لوط عليه السلام عند دخوله في الحوار مع الأضياف؛ إذ بادرهم بإظهار التوجس والاستنكار لهيئتهم وحالهم؛ خشية عليهم من قومه ورهبة من مجهول مقصدهم. روى الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة وابن زيد في قوله: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} قالوا: "أي لا أعرفكم، منكر شأنكم وأمركم؛ رأى هيئة حسنة وثياباً طاهرة وأشكالاً لم يعهدها في أهل قريته ولا في الواردين عليها، فأنكرهم وخاف عليهم قومه". وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: "قال لوط: إنكم قوم منكرون، أي لا أعرف وجوهكم، ولستم من أهل هذه البلاد؛ فلما قال لهم ذلك، ردت الملائكة عليه بما يسكن قلبه ويوضح مهمتهم". وقال الإمام البغوي: "المنكر: ضد المعروف؛ أي لا أعرفكم ولا أدري من أنتم، ومع خوفه منهم كان قوله هذا تعريضاً بالاحتراز وإشعاراً بضيق الدار عليهم من شرار القوم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت مقالة لوط عليه السلام {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} جملة اسمية مؤكدة بـ {إنّ} دالة على قوة انطباع الاستنكار وثباته في نفسه بمجرد رؤيتهم؛ فهو لم يقل: "أنكرتكم" بالفعل العارض، بل قال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}، مما يصور شدة الوجل والقلق الذي غشى بيت لوط. وتتناسب هذه الصراحة النبوية مع المقام الحرج؛ فلوط يعلم خبث قومه ورصدهم للغرباء، فكان بيانه لغرابتهم تمهيداً لتحذيرهم، أو دفعاً لمكروه يترصدهم في قريته الموبوءة. وهذا التناسب يعكس المقابلة البديعة بين موقف إبراهيم حين قال: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} في سورة الذاريات، وبين موقف لوط هنا؛ فكلا النبيين استنكر هيئة الغرباء، لكن استنكار لوط كان مشوباً برهبة شديدة على عرض الأضياف وأمانهم من فساق سدوم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الصراحة والنصح في مواطن الخطر: إذا رأى المؤمن أخاه أو الغريب مقبلاً على مهلكة، فعليه أن يصارحه بحقيقة الوضع دون مواربة أو مداهنة لحمايته من السوء. 2. استشعار المسؤولية الأخلاقية: نبي الله لوط حمل همّ الأضياف قبل أن يعرف كنههم أو رسالتهم، وهذا شأن المؤمنين الصادقين في حماية الضعفاء والغرباء من عدوان الفجار. 3. الحذر واليقظة الأمنية: على المسلم أن يكون متيقظاً لما يحيط به وبمجتمعه، عاقلاً لسلوكيات المفسدين وساعياً لسد الذرائع أمام جرائمهم.