فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
أقسم الله تبارك وتعالى بذاته العلية الشريفة وبربوبيته الخاصة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قسماً مغلظاً مؤكداً باللام والنون المشددة، ليحاسبن جميع أولئك المجرمين والمقتسمين والخلائق أجمعين عما اقترفوه في الدنيا. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} قالا: "والله لنسألنهم أجمعين يوم القيامة عن لا إله إلا الله، وعن إجابة المرسلين؛ هل صدقوا بها وعملوا بمقتضاها؟". وروى الترمذي وابن ماجه وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال: "عن قول: لا إله إلا الله". وروى الترمذي أيضاً وحسنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟". وقال الإمام القرطبي: "أقسم الله تعالى بنفسه، وأضاف الربوبية إلى نبيه تفخيماً لشأنه، ليؤكد حتمية السؤال والحساب لكل مكلف يوم القيامة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ النظم القرآني غاية الجلال والرهبة؛ فبعد أن حكى مواقف المقتسمين وتجرؤهم على جعل القرآن عضين، لم يدع الأمر يمضي دون ردع حاسم يزلزل أركان المستهزئين، فصدر الوعيد بالقسم الإلهي بذاته المقدسة مضافاً إلى كاف الخطاب لنبيه: {فَوَرَبِّكَ}. وفي هذا النظم رد اعتبار هائل لحضرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فكأن الله يقول له: وحق ربك الذي اصطفاك ونصرك، لنسألن هؤلاء الذين استهزؤوا بك وبكتابك سؤالاً دقيقاً نحاسبهم فيه على كل كلمة وفعل. وتتابع أدوات التوكيد: (القسم، واللام الموطئة، ونون التوكيد الثقيلة، والتوكيد المعنوي بلفظ أجمعين)؛ ليدل على استغراق وشمول الحساب لكل فرد منهم دون استثناء أو إفلات.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. اليقين بالحساب الأخروي العام التام: لا يضيع عند الله مثقال ذرة من عمل؛ فكل قول باطل واستهزاء بالدين سيسأل عنه صاحبه سؤال توبيخ ونكال. 2. محاسبة النفس قبل أن تحاسب: تذكر السؤال الإلهي الأكبر يوقظ القلب من الغفلة ويدفع المؤمن إلى استدراك زلاته والتوبة قبل فوات الأوان. 3. تسلية المصلحين بعدالة اليوم الآخر: عندما يرى الداعية فجور المستهزئين وإفلاتهم في الدنيا، يطمئن قلبه بأن موعد المحكمة الإلهية الكبرى قادم لا محالة.