فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
سجلت الآية الكريمة لحظة الصدع الحاسم ونزول العذاب الصاعق بقوم لوط المفسدين، بعد أن خرج لوط وأهله سالمين، وانبلج الفجر ودخل القوم في وقت شروق الشمس. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي في قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} قالوا: "مشرقين: أي عند شروق الشمس وطلوعها؛ لما انشق الفجر كان لوط قد فارق قريتهم وابتعد، فلما طلعت الشمس أرسل الله عليهم صيحة من السماء قطعت قلوبهم في أجوافهم وأهلكتهم". وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "أخذتهم الصيحة مع شروق الشمس، فما طلعت الشمس حتى هلك القوم أجمعون". وقال الإمام القرطبي: "والصيحة: الصوت الشديد الهائل الذي يزهق الأرواح، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة تقطعت منها مرائرهم وماتوا، واقترن بها قلب ديارهم؛ ومشرقين: داخلين في وقت شروق الشمس، يقال: أشرق القوم إذا دخلوا في الشروق، كما يقال: أصبحوا وأمسوا وأظهروا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى كمال النظم في سرعة التعقيب بالفاء {فَأَخَذَتْهُمُ} بعد بيان سكرتهم وعمههم {لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}؛ لبيان أن العقوبة باغتتهم وهم في غاية التلهي والغرور والانغماس في الفاحشة. وتحديد الوقت بـ {مُشْرِقِينَ} يتكامل بدقة بالغة مع قوله السابق: {أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ}؛ فالإصباح يبدأ بطلوع الفجر الصادق، وكانت بداية مقدمات العذاب وخروج لوط مع الفجر، فلما تميز النهار وسطعت الشمس أطبقت عليهم الصيحة الفاصلة. وفي اختيار وقت الشروق سر بياني عجيب؛ إذ هو وقت استبشار الناس ببدء يوم جديد ونشاط الحياة، فجعل الله وقت أملهم الدنيوي هو عين وقت فنائهم الأبدي؛ لتكون الحسرة أشد والألم أبلغ.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الخوف من مباغتة البأس الإلهي: مكر الله وعقوبته تأتي في أوقات الغفلة؛ فالواجب على العبد دوام الحذر والاستغفار وعدم الاغترار بستر الله وإمهاله. 2. فهم السنن الكونية في تدمير الظالمين: إذا تمادى القوم في الفسق وأصروا على كسر الفطرة، حقت عليهم سنة الاستئصال بصيحة لا مرد لها. 3. تطمين قلوب المؤمنين بنصر الله: الباطل مهما انتفش وعلا صوته، فإن نهايته تأتي كلمح البصر حين يأذن الله بصيحة الحق التي تزهق الباطل.