وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ
تابع نبي الله لوط عليه السلام مناشدته لقومه وموعظته لهم، جامعاً بين التذكير بحق الله تعالى بالتقوى ومراقبته وخشيته، وبين التذكير بحقه هو كرسيل ونبي ومجاور في دفع الخزي والمهانة عنه في شأن أضيافه. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ} قالا: "أي خافوا عقاب الله في ركوب ما حرم عليكم من الفاحشة، ولا تخزونِ: أي لا تذلوني ولا تفضحوني في أضيافي، فإن الخزي هو الهوان والمذلة وسقوط المنزلة". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "قال لهم لوط: اتقوا الله فكفوا عن هذا المنكر، ولا تخزوني عند أضيافي؛ فإنه ليس من المروءة ولا من الدين إهانة الضيف وإخزاء مضيفه". وقال الإمام القرطبي: "جمع لوط عليه السلام بين الوصية بتقوى الله وهو الأصل في كل خير ودفع كل شر، وبين النهي عن إخزائه وهو مقتضى المروءة وحفظ الجوار وحرمة النبوة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): عطف قوله {وَاتَّقُوا اللَّهَ} على النهي السابق {فَلَا تَفْضَحُونِ} ترقٍّ بديع في مخاطبة النفوس واستثارة دوافع الرشد؛ فبدأ أولاً بالمناشدة بالمروءة وعرف الضيافة لكونه أقرب إلى المألوف العاجل، ثم ارتقى إلى الأصل العظيم الذي تنبثق منه كل الفضائل وهو "تقوى الله وخشيته". ثم أعقب ذلك بإعادة النهي بصيغة أخص: {وَلَا تُخْزُونِ}؛ فالأول كان دفعاً للفضيحة العارمة {فَلَا تَفْضَحُونِ}، وهذا نفي للخزي والمذلة والانكسار النفسي الذي يلحق المضيف أمام الناس وأمام أضيافه إذا غلب على أمره وانتهك ستره. وهذا التكرار الموشح باختلاف اللفظين (تفضحون، تخزون) يصور حالة الاضطرار البالغ والاستغاثة الوجدانية التي عاشها لوط عليه السلام في مواجهة همجية القوم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. استحضار التقوى في مواقف الصراع: تذكير الناس بربهم وجلاله وعقابه هو السلاح الأقوى في مواجهة الانحراف الأخلاقي والعدوان على الحرمات. 2. احترام مشاعر المصلحين وحفظ كرامتهم: كرامة الداعية والمربي جزء لا يتجزأ من حرمة الدين؛ فالاعتداء عليه أو السعي في إخزائه جريمة تضاعف من غضب الله. 3. تنوع الخطاب الدعوي: الداعية يجمع في خطابه بين الوعظ العقائدي العميق (التقوى) وبين التذكير بالقيم الإنسانية والآداب الرفيعة (دفع الخزي).