وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
عادت الآيات الكريمة لتصوير المشهد المأساوي الواقع في تلك الليلة في قرية لوط؛ إذ تسامع أهل الفسوق بقدوم أضياف حسان الوجوه إلى بيت لوط، فأقبلوا مسرعين يهنئ بعضهم بعضاً بتلك الفريسة المنكرة، مستبشرين بالوقوع في الفاحشة. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة قال: "تسامع أهل قرية لوط بأضيافه، فجاؤوا يهرعون إليه يستبشرون بركوب الفاحشة بهم، لما رأت امرأته الخبيثة جمالهم خرجت فأخبرت قومها فقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رئي مثل وجوههم حسناً وطهارة قط، فجاؤوا يهرعون يستبشرون". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "لما نزل الأضياف بيت لوط، خرجت امرأته فصعدت السطح فلوحت بثوبها، فكانت تلك علامتها لقومها إذا نزل به أضياف، فأقبل أهل المدينة يستبشرون بالمنكر". وقال الإمام القرطبي: "والمدينة هاهنا هي سدوم أعظم مدائنهم، وسموا أهل المدينة دلالة على اجتماعهم وتواطئهم؛ وكان استبشارهم بالفاحشة التي استمرؤوها وقبحت في الفطر السليمة، فصار الفجور عندهم مبعث فرح واستبشار".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يعكس النظم القرآني ذروة المفارقة الصادمة والتهكم الإلهي بحال هؤلاء الأشقياء؛ فبينما كان القضاء الإلهي قد أبرم بقطع دابرهم عند الصباح {أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ}، إذا بهم يركضون نحو حتفهم وهم {يَسْتَبْشِرُونَ}! فيا له من مشهد عجيب يجمع بين عماية البصيرة وسكرة الشهوة البهيمية وبين دنو العذاب الماحق؛ فهم يستبشرون بما يحسبونه متعة وشهوة، وهو في الحقيقة الشرك الذي سيطبق عليهم ويهلكهم. والتعبير بـ {أَهْلُ الْمَدِينَةِ} يوضح أن الفاحشة لم تكن عملاً فردياً شاذاً يمارسه أفراد في الخفاء، بل تحولت إلى ظاهرة مجتمعية يتداعى إليها عامة أهل البلدة علناً ويستبشرون بها في نواديهم دون نكير.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التحذير من انتكاس الفطرة الجماعي: إذا تخلت المجتمعات عن الحياء وشريعة الله، تهاوت إلى دركات حيوانية تجعلها تفرح بالرذائل وتجاهر بالفواحش. 2. الشفقة على أهل الغفلة والجهل: النظر إلى العصاة والمتمردين بعين الخوف من مكر الله؛ فهم يركضون وراء سراب الشهوة ويهرعون إلى حتوفهم وهم غافلون. 3. أهمية حماية المجتمعات من التطبيع مع الشذوذ: التصدي الحاسم للأفكار والسلوكيات المنحرفة قبل أن تتحول إلى ظاهرة يستبشر بها الناس ويصعب اقتلاعها.