عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
بينت الآية الكريمة متعلق السؤال والحساب الإلهي؛ وهو استقصاء كل ما اقترفوه من أعمال الشرك والتكذيب والأقوال الباطلة والإفساد في الأرض واقتسام القرآن واستهزائهم بآيات الله. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وعطاء وقتادة في قوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قالوا: "أي عن جميع أعمالهم؛ عن شركهم بالله، وتكذيبهم لرسله، وافترائهم على كتابه، وظلمهم للعباد؛ فيسألون سؤال فحص وتقريع يظهر قبائحهم على رؤوس الأشهاد". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "يسألون عن أعمالهم وأقوالهم، وعما كانوا يظهرون وما كانوا يسرون في صدورهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها". وقال الإمام القرطبي: "{عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} عموم يستغرق كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال؛ لأن القول عمل اللسان، فيدخل فيه قولهم: سحر وشعر وكهانة وتفريقهم للقرآن".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتكامل هذه الآية مع سابقتها تكامل النعت بالمنعوت والبيان بالمجمل؛ فقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أثبت عموم الأشخاص المكلفين المسؤولين، وجاء قوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ليثبت عموم الأفعال والمسائل التي يدور عليها السؤال. وجاء التعبير بـ {كَانُوا يَعْمَلُونَ} بالصيغة الاستمرارية؛ ليدل على أن السؤال لن يكون عن سقطة عابرة أو فلتة لسان نادرة، بل عن مجمل مسيرتهم الحياتية، وما كانوا يستمرئونه من عادات الكفر والإعراض ومحاربة الهدى. وهذا التناسب يقطع حبل الرجاء الباطل في الإفلات؛ فالإحاطة محيطة تامة مستوعبة للأفراد وللأعمال دقيقها وجليلها.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. استحضار رقابة الله على الجوارح: المؤمن يعلم أن كلامه وفعله وكتابته كلها أعمال مسؤول عنها؛ فيزن أقواله قبل أن يتكلم ويزن خطواته قبل أن يخطو. 2. التربية على الأمانة والمسؤولية الكاملة: ترسيخ مبدأ المحاسبة الفردية والجماعية؛ فالمجتمعات تحاسب على ما تعمله وتتواطأ عليه من سياسات وأفعال. 3. التوبة والاستغفار الماحي: المخرج الوحيد من هول ذلك السؤال هو التوبة الصادقة وتدارك التقصير بصالح العمل؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات.