كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
بينت الآية الكريمة نوع العذاب والنكال المنذر به، مشبهة ما سينزل بكفار قريش ومشركي العرب بما أنزله الله على المقتسمين من الأمم السابقة الذين تحالفوا على الكفر واقتسموا الطرقات لمواجهة رسل الله، أو أهل الكتاب الذين جحدوا واقتسموا كتب الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا في قوله: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ}:
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يرتبط قوله {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} بقوله السابق {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} ارتباط العلة بالموجب وتعيين نوع الوعيد؛ أي أن نذارتي لكم ليست خيالاً ولا تهويلاً بلا حقيقة، بل أنذركم عذاباً واقعاً شبيهاً بالنكال الذي أنزلناه على المتحالفين المقتسمين الذين كذبوا من قبلكم. وحذف المفعول به لـ {أَنزَلْنَا} إعجاز بياني رائع؛ ليعم الإنزال كل ما نزل بهم من ألوان البأس والخزي والاستئصال، ولتذهب نفوس المخاطبين في تصوره كل مذهب مخيف. وتناسق الآية مع بيان جريمتهم في الآية اللاحقة {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} يفضح خطط المشركين الإعلامية وحملات التشويه التي شنوها ضد الوحي والنبي صلى الله عليه وسلم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الوعي بأساليب الخصوم وتكتيكاتهم الإعلامية: معرفة أن تشويه الدعوة واقتسام الأدوار في الطعن بالحق سنة قديمة سلكها المشركون وأهل الكتاب، مما يتطلب من الدعاة وعياً وتماسكاً لمواجهتها. 2. سنة النظائر والمماثلة التاريخية: سنن الله في إهلاك المكذبين واحدة؛ فمن سلك مسلك المقتسمين حاق به ما حاق بهم من الخزي والنكال. 3. الثقة بنصرة الله للوحي: الوحي محفوظ من عند الله، ومؤامرات المقتسمين باطلة زائلة لا أثر لها في حجب نور الشمس عن الصادقين.