فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ
فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ
بينت الآية الكريمة عاقبة أصحاب الأيكة بنزول الانتقام الإلهي بهم، ثم أتبعت ذلك ببيان أن ديار قوم لوط وديار أصحاب الأيكة كلاهما على طريق واضح بين يمر به الناس في أسفارهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: "{فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي: عذبناهم فأهلكناهم بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم؛ {وَإِنَّهُمَا} يعني: قرية قوم لوط (سدوم) وقرية قوم شعيب (أصحاب الأيكة)، {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي: لبطريق واضح مستبين يمر به المارون، والإمام هو الطريق الواضح الذي يؤتم به ويهتدى به في المسير". وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: "الإمام المبين: الطريق الواضح الذي تسلكه القوافل؛ كانت ديار قوم لوط وأصحاب الأيكة بين الحجاز والشام يمر بهما أهل مكة عياناً". وقال الإمام القرطبي: "الانتقام في حق الله تعالى معناه: إنزال العقوبة المستحقة بالظالمين؛ والإمام: الطريق، سمي إماماً لأنه يؤتم به، أي يتبعه السالكون فلا يضلون عنه؛ ومبين: بيّن ظاهر لا يخفى على أحد".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتألق النظم الإعجازي في سرعة التعقيب بالفاء {فَانتَقَمْنَا} لإظهار أن الانتقام الإلهي يتبع الظلم مباشرة عند استحقاقه دون إبطاء أو هوادة. ثم جاء ضم التثنية {وَإِنَّهُمَا} ليجمع بين مشهدي العذاب السالفين: (قوم لوط، وأصحاب الأيكة)، ليرسم خريطة جغرافية تاريخية حية في أذهان أهل مكة وسائر العرب المسافرين إلى الشام ومصر؛ فكأن الآية تقول لهم: ها هما ذان مصارع الأمتين معاً على طريقكم المعهود المكشوف: {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}. واستعمال لفظ {إِمَامٍ} بدلاً من طريق أو سبيل في هذا الموضع يحمل لطيفة نظمية رائعة؛ إذ الطريق واضح كالإمام الذي يقود الركب، فكل من سلكه رأى آثار الانتقام رأي العين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. العدل الإلهي في مجازاة المعتدين: انتقام الله من المفسدين رسالة أمان للمظلومين والمستضعفين؛ بأن دماءهم وحقوقهم لن تضيع هدراً، وأن للكون رباً ينتصف للمظلوم من الظالم. 2. الربط بين الآيات القرآنية والواقع المشاهد: توجيه الأبصار والعقول إلى النظر في شواهد التاريخ والآثار الباقية لترسيخ اليقين وقطع الشكوك. 3. مسؤولية السائرين في الأرض: تحويل السفر والسياحة من مجرد نزهة عابرة إلى رحلة تدبر واعتبار وتفكر في مصائر الأولين.