وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
أمر الله تعالى نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بإعلان مهمته الرسالية الكبرى بكل وضوح وصدع وقوة، مؤكداً أنه نذير بيّن النذارة، منذر بالبأس الإلهي العاجل والآجل لكل من كفر بالحق وتمادى في طغيانه. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} قالا: "أمره الله أن يجهر بالنذارة ويقول لكفار قومه: إني أنا المنذر لكم عذاب الله وعقابه إن لم تتوبوا وتؤمنوا، المبين: الذي أبين لكم ما أرسلت به بياناً شافياً لا لبس فيه ولا غموض". وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فادلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم؛ فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق". وقال الإمام القرطبي: "النذير: المحذر من وقوع المكروه والعذاب؛ والمبين: الموضح لطرق النجاة والمظهر للحق بالحجج والبراهين الساطعة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الأمر الإلهي الجازم {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} متوجاً لتلك التوجيهات السابقة؛ فبعد أن حفظ قلبه من التطلع إلى دنياهم {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، ومن الحزن على إعراضهم {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، وأمره بالرأفة بالمؤمنين {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ}، أمره بأن يعلن موقفه الرسالي الصامد في وجوههم دون مواربة ولا مداهنة. وتضافرت المؤكدات في هذه الجملة القصيرة الفخمة: (إنّ، وضمير الفصل أنا، وتعريف الخبر بأل النذير، والوصف بالمبين)؛ لتدل على التميز والانفراد في إقامة النذارة؛ فكأنه يقول: لست طالباً لدنياكم، ولا متكلفاً لرضاكم، بل أنا النذير الصادق المخلص الشفيق الذي لا غاية له إلا إنقاذكم من الهلاك.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الوضوح والصدع في الرسالة: يجب على الداعية أن يكون واضحاً ومبيناً في دعوته؛ فلا غموض ولا التباس ولا إخفاء للحقائق خوفاً من لوم اللائمين. 2. استشعار شفقة النذارة: النذارة ليست تشفياً ولا قسوة، بل هي منطلق الشفقة البالغة على الخلق لإنقاذهم من عذاب الله كما يفعل الطبيب المشفق عند تحذير المريض. 3. الاستقلال والشجاعة الإيمانية: المصلح لا يخضع لضغوط المترفين ولا يغير رسالته إرضاءً للأهواء؛ بل يثبت على إعلان وظيفته الرسالية بكل عزة ويقين.