وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ
وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ
وصفت الآية الكريمة ما كان يتمتع به أصحاب الحجر من القوة الجسدية المفرطة، والحذق المعماري العجيب، وحضارة الصخور الراسخة التي شيدوها بنحت الجبال الشامخة واتخاذها مساكن وقصوراً آمنة يظنون أنها تحميهم من صروف الدهر ونوائب الزمان. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد والحسن وقتادة قالوا: "كانت ثمود أهل قوة وبطش وعمر مديد، فكان أحدهم يبني البيت من المدر فينهدم في عمره لطول أجله، فلما رأوا ذلك اتخذوا الجبال فنحتوا منها بيوتاً بطراً وأشراً لتبقى لهم، وظنوا أنهم آمنون فيها من الموت والخراب وعذاب الله". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} قال: "آمنين من أن تسقط عليهم أو تخرب، وآمنين من أعدائهم ومن صواعق السماء؛ فكانت ديارهم في غاية الإحكام والمنعة". وقال الإمام القرطبي: "النحت: النجر والبري؛ يقال: نحت الجبل والحجر والخشبة يَنْحِتُها نَحْتاً؛ وآمنين: حال، أي آمنين من حوادث الزمان وخراب المباني ومكايد الأعداء".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يعكس النظم القرآني حالة الاغترار المادي الهائل التي أصابت ثمود؛ فصيغة المضارع {يَنْحِتُونَ} دالة على تجدد الفعل واستمرار ديدنهم في استعراض القوة ونحت الجبال الشاهقة، وتنكير {بُيُوتًا} يفيد فخامتها واتساعها وعظمتها في الصخر. ثم جاء الوصف الحالم الزائف في ختام الآية: {آمِنِينَ} ليصور وهم الأمان البشري الذي عاشوا فيه؛ فظنوا أن القوة الهندسية والجدران الصخرية والملاذات الجبلية كافية لتوفير الأمان المطلق وحجب الموت والقدر الإلهي عنهم. وهذا التناسب يمهد لما سيأتي في الآية اللاحقة كالصاعقة: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ لبيان تفاهة الحصون المادية أمام قهر الجبار.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التحذير من فتنة القوة والحضارة المادية: التقدم العمراني والهندسي والتكنولوجي نعمة يجب أن تسخر في طاعة الله والعدل، فإذا استعملت في الكبر والإعراض عن الحق أفضت إلى الدمار. 2. سقوط الحصون المادية أمام بأس الله: لا تدفع الجبال ولا الملاجئ المحصنة قضاء الله إذا نزل؛ فالاعتماد على الأسباب وحدها دون مسببها جهل وضلال. 3. الاعتبار بآثار الأولين الصامتة: مدائن صالح وبيوت الجبال القائمة إلى اليوم شواهد ناطقة بأن الأقوياء زالوا وبقيت صخورهم عبرة لمن يعتبر؛ فما أغنت عنهم مساكنهم من الله شيئاً.