لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
بلغت الآية الكريمة الذروة في تكريم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبيان مكانته العليّة عند ربه، وفي تصوير العماية التامة والضلال المطبق الذي ران على قلوب قوم لوط حتى صيرهم كالسَّكارى الذين فقدوا عقولهم وإدراكهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» بسنده الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا، إنهم لفي ضلالتهم وحيرتهم يترددون". وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في «المستدرك» وصححه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس مثله. وروى الطبري عن قتادة في قوله: {إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال: "السكرة: الضلالة والغفلة، ويعمهون: يلعبون ويتمادون ويترددون متحيرين". وقال الإمام القرطبي: "أقسم الله تعالى بحياة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تشريفاً له وتعظيماً لقدره، ولم يقسم بحياة أحد سواه قط؛ والسكرة: الغفلة التي تغطي على العقل وتسلبه التمييز، والعمَه: عمى البصيرة والحيرة في الضلال".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الاعتراض الإلهي في سياق القصة التفات معجز ونظم ساحر؛ فبينما كان السياق يحكي محاورة لوط مع قومه وانسداد أفق النصح، التفت الخطاب الإلهي فجأة إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بالقسم الأجل: {لَعَمْرُكَ}. وهذا التناسب يبرز الحكمة الأزلية من وراء تبلد هؤلاء المجرمين؛ فكأن الله يقول لنبيه: يا محمد، لا تعجب من رفضهم لبديل الحلال الذي عرضه لوط، وحياتك وشرف عمرك إنهم ليسوا في وعي بشري سوي يقبل الحجة، بل هم محاطون بظلمات "سكرة الشهوة" و"عمه البصيرة" حتى صاروا كالسكارى الذين يتخبطون في وادٍ مظلم لا مخرج منه. وجاءت المؤكدات المتلاحقة (القسم، وإنّ، واللام المزحلقة، وظرفية الانغماس في السكرة بـ في، وصيغة الفعل الدال على التردد يعمهون) لترسم لوحة نفسية مذهلة لحالة التيه العقلي والشهواني التي تهبط بالإنسان إلى الحضيض.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. معرفة قدر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: استشعار عظمة نبينا ومكانته عند ربه؛ حيث شرفه الله بالقسم بحياته المباركة، مما يوجب محبته واتباعه وتوقيره. 2. فهم طبيعة الانتكاس الشهواني: الانحرافات الأخلاقية ليست مجرد آراء، بل هي سكرة نفسية تعمي البصائر؛ لذا يحتاج علاجها إلى قوة الردع الرباني واليقظة التشريعية. 3. تسلية الدعاة عند صدهم: إذا رأى الداعية عناداً مستحكماً ورفضاً عجيباً للحق، فليعلم أن المعاندين يعيشون في سكرة الغواية وعمه الضلال، فليثبت على الحق ولا تذهب نفسه عليهم حسرات.