قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ
أجمع المفسرون على أن الملائكة حين سمعوا مقالة إبراهيم واستعظامه للأمر، بادروا إلى تأكيد أن ما جاؤوا به ليس ظناً ولا تخميناً ولا وهماً، بل هو الحق الثابت الصادر عن أمر الله وقضائه الذي لا مرد له. روى الطبري في «جامع البيان» عن السدي قال: "قالت الملائكة لإبراهيم: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} أي: باليقين من أمر الله الذي لا خلف فيه ولا كذب، {فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ} أي: من الآيسين من رحمة الله وتفضل وجوده". وقال ابن كثير: "{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} مؤكدين لما أخبروه به، ومحققين له الأمر، أي: بما يقضيه الله تعالى ويخلقه من ولد يخرج من صلبك وإن كنتما كبيرين، {فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ} أي: الآيسين". وبين الإمام الطبري أن نهي الملائكة لإبراهيم عن القنوط ليس حكماً عليه بأنه واقع في القنوط، بل هو تثبيت له على رجائه، ونهي وارد على سبيل الحسم لخواطر الاستبعاد البشري التي قد تجول في نفس الإنسان بحكم العادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء جواب الملائكة في غاية القوة والتسديد؛ إذ قابلو تعجبه من العوائق المادية الطبيعية بتقرير الحقيقة الكبرى: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ}، فقدموا التلبس بـ {الْحَقِّ} دلالة على أن القوة الفاعلة ليست قوانين المادة والسنن البيولوجية، بل هي "إرادة الحق المطلق" الذي خلق النواميس وقدر حركتها، فإذا قال لأمر: كن، خضعت له الأسباب والمسببات. ثم رتبوا على هذا التقرير بالفاء الفصيحة النهي الجازم: {فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ}؛ لتقطع كل سبيل لظنون اليأس البشري، وتملأ قلب الخليل بالثقة التامة والاستسلام لمراد الله وقضائه المبرم. وهذا التناسب يعكس التدرج من دهشة المفاجأة في الآية السابقة إلى رسوخ الاستقرار واليقين في هذه الآية، تمهيداً لما سيعلنه إبراهيم في الآية اللاحقة من براءته التامة من شائبة القنوط واليأس.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تحريم القنوط واليأس: القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب ومهلكات القلوب؛ فالواجب على المؤمن أن يظل باب الرجاء مفتوحاً في قلبه أبداً، مهما استحكمت الأزمات وضاقت السبل. 2. الاستناد إلى الحق لا إلى الأسباب: الواجب على العبد عند تلقي البشائر أو مواجهة الشدائد أن يعلق قلبه بالحق المطلق سبحانه، وألا يقيد قدرة الله وحدود تفضله بحدود طاقته المحدودة وتجاربه القاصرة. 3. التثبيت والدعم الإيماني: ينبغي للمؤمنين أن يثبت بعضهم بعضاً بالحق والتواصي بالصبر والمرحمة، وقطع دابر الوساوس الشيطانية التي تسعى لإيقاع العباد في اليأس والوهن.