وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ
أوضحت الآية الكريمة أن ديار قوم لوط وآثار هلاكهم ليست في مكان مجهول أو غائب عن الأبصار، بل هي قائمة على طريق واضح مسلوك يمر به المسافرون وتجار قريش في غدوهم ورواحهم إلى بلاد الشام. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} قالوا: "أي وإن مدائن قوم لوط لبطريق واضح ثابت يمر به أهل مكة في أسفارهم وتجاراتهم إلى الشام، يرونها بأعينهم عياناً مكرورة عليهم في رحلة الصيف". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "السبيل المقيم: هو الطريق القائم الذي لم يندرس ولم ينقطع، تسلكه القوافل والمارة بين الحجاز والشام". وقال الإمام القرطبي: "الضمير في {وَإِنَّهَا} يعود إلى قرى قوم لوط ومدائنهم؛ والسبيل المقيم: الطريق القائم الثابت السالك؛ ومعناه: أن آثارهم ومنازلهم الخربة بطريق باقٍ يسلكه الناس لم تعفه الرياح ولم تطمسه القرون، لتكون حجة حاضرة قائمة على أهل مكة وسائر من يمر بها".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية الكريمة لتقيم الحجة الحسية المشاهدة على كفار قريش ومشركي العرب المعاندين بعد إقامة الحجة الخبرية والعقلية؛ فكأن الله يقول لهم: إن كنتم ترتابون في نبأ لوط وما نزل بقومه، فإن ديارهم وآثار دمارهم قائمة على طريقكم المعتاد الذي تسلكونه في رحلاتكم: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}. وتأكيد الجملة بـ {إنّ} واللام المزحلقة يزيل أي شك في ثبوت هذه المعالم الجغرافية وظهورها للعيان. ويتطابق هذا النظم مع قوله تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وفي سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا}.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاستدلال بالواقع المشاهد والآثار التاريخية: على الداعية توظيف الأدلة الواقعية والحسية والجغرافية لإلزام المعاندين وإثبات صدق رسالة الإسلام وتاريخ النبوات. 2. السير في الأرض للاعتبار والتفكر: دعوة المسلم إلى استحضار معاني العبرة عند السفر والمرور بديار الهالكين والتعوذ بالله من سخطه ومباغتة عقابه. 3. الحذر من تكرار أسباب الهلاك: إذا كانت الطريق قائمة والآثار باقية، فإن سنن الله لا تتبدل؛ فمن ركب مراكب قوم لوط استحق مصيرهم وإن اختلفت الأزمنة والوسائل.