فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
فصلت الآية الكريمة كيفية إهلاك تلك القرى الظالمة، حيث خسف الله بديارهم فقلبها رأساً على عقب، وأتبع ذلك بإمطارهم بحجارة من طين متحجر شديد الصلابة مرقوم بالعذاب. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب القرظي قالوا: "هبط جبريل عليه السلام، فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط (وكانت خمس مدائن وقيل أربع)، فرفعها من أصلها حتى بلغ بها عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم بالحجارة فمن كان خارجاً عنها أصابه حجر فقتله". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} قال: "حجارة من طين طُبخ حتى صار كالحجارة الصوان؛ وسجيل بلغة الفرس: سنك وكل، أي حجر وطين". وقال الإمام القرطبي في تفسيره: "{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} جزاءً وفاقاً؛ لما قلبوا أمر الفطرة فأتوا الذكور مكان الإناث، قلب الله ديارهم فجعل عاليها سافلها؛ وأمطر عليهم حجارة من سجيل مسومة عند ربك لكل فاسق ومجرم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتألق الإعجاز القرآني في التناسب المشهدي العجيب بين نوع الجريمة ونوع العقوبة؛ فالقوم لما انتكست عقولهم فقلبوا نظام الفطرة البشرية ونكحوا الذكور دون الإناث وجعلوا الأسفل في موضع الأعلى، قابلهم القهار بجزاء من جنس عملهم فقلب ديارهم رأساً على عقب: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}. ثم عطف على ذلك الإمطار الصاعق {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}؛ استئصالاً لمن حاول الهرب، وتأكيداً على طمر معالمهم تحت طبقات من الحجارة والطين المتحجر؛ لتمحى قريتهم من خريطة الحياة وتصير بحيرة منتنة (البحر الميت) لا حياة فيها ولا نماء. وهذا النظم يرسم صورة حية مرعبة للزلزال الكوني الذي دك عروش المجرمين في لحظات يسيرة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. عظمة الانتقام الإلهي من مروجي الشذوذ: هذا المشهد القرآني الرهيب ينبغي أن يظل حاضراً في ذاكرة البشرية؛ ليعلم المروجون للفاحشة أن سنن الله لا تحابي أحداً وأن غضبه ماحق. 2. الاعتبار بزوال الأمم المتجبرة: القرى التي كانت عامرة بالبساتين والمباني والشهوات استحالت في لحظة واحدة إلى ردم مقلوب، فما أغنى عنهم مكرهم ولا قوتهم شيئاً. 3. التأكيد على عدالة الجزاء الرباني: كل عقوبة قدرها الله على المفسدين إنما هي ميزان عدل مطلق يضع الأمور في نصابها ويطهر الأرض من دنس المعتدين.