قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ
قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ
سجلت الآية الكريمة الجواب الوقح الصادر عن أولئك المجرمين، حيث واجهوا موعظة نبيهم بالتبجح والتعالي، مذكرين إياه باتفاق سابق أو نهي جائر كانوا قد فرضوه عليه ألا يضيف أحداً من الغرباء ولا يحول بينهم وبين من يرد قريتهم من الناس. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والحسن قالوا: "كان قوم لوط قد نهوه أن يضيف أحداً أو يجير أحداً من الناس، وقالوا: إنا قد نهيناك عن العالمين؛ فلما أضاف هؤلاء الرسل قالوا له: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ}؟ أي: ألم نتقدم إليك ألا تؤوي غريباً ولا تمنعنا من أحد من الناس؟". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "كانوا إذا رأوا غريباً أخذوا ماله وفجروا به، وكان لوط يمنعهم وينكر عليهم، فقالوا له: لئن أويت أحداً أو ضيفته لنفضحنك به، فلما ضيف الملائكة قالوا: ألم ننهك عن العالمين؟". وقال الإمام البغوي: "العالمون هاهنا: الناس والغرباء؛ أي ألم ننهك أن تضيف الناس وتدخلهم منزلك؟ وكانوا يريدون التخلي بينهم وبين كل غريب يرد قريتهم ليأخذوا ماله ويركبوا منه الفاحشة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء جواب القوم في منتهى الفجاجة والجرأة على نبي الله؛ إذ لم يبالوا بـ {وَاتَّقُوا اللَّهَ} ولا رقّوا لـ {وَلَا تُخْزُونِ}، بل قابلوه بالاستفهام الإنكاري المتغطرس المصدر بالهمزة والواو العاطفة: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ}. وهذا النظم يبرز انقلاب المعايير عندهم؛ فبدلاً من أن يعتذروا عن عدوانهم، جعلوا نبي الله لوطاً هو "المعتدي المخالف" لقراراتهم الجائرة حين استقبل الأضياف ومنعهم من ممارسة شذوذهم! واستعمال لفظ {الْعَالَمِينَ} بصيغة الجمع الأقصى يعكس مدى استبدادهم واستعلائهم في الأرض؛ فكأنهم نصبوا أنفسهم أرباباً يملكون حق التصرف في رقاب كل من يطأ أرضهم من العالمين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الثبات في مواجهة القوانين الجائرة: المؤمن لا ينصاع للقوانين والأعراف التي تحرم الحلال وتبيح الحرام وتمنع المعروف؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. 2. فضح منطق الاستبداد والفساد: المفسدون يقلبون الحقائق، فيجعلون المصلح مجرماً خارجاً عن القانون لمجرد تمسكه بالعفاف والشهامة، وهذا ديدن الطغاة في كل عصر. 3. معاناة الغربة للدعاة: تجرع لوط عليه السلام ألم الغربة بين مجتمع فاسد يهدده ويحاصره، مما يوجب على الدعاة الصبر على أذى المجتمعات المنحرفة واحتساب الأجر عند الله.