الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
بينت الآية الكريمة الأصل العقائدي الفاسد الذي انطلق منه أولئك المستهزئون، وهو إشراكهم بالله وعبادتهم للأوثان والأنداد من دونه، وتوعدتهم بالعذاب الوبيل الذي سيعلمون حقيقته عند حلول النقمة بهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: "{الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ} نعت للمستهزئين المذكورين، أي: الذين يشركون بالله الأصنام والأوثان ويجعلون له نداً، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة شركهم واستهزائهم إذا نزل بهم عذاب الله في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار الخالدة". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "فسوف يعلمون: وعيد شديد وتهديد قاطع، يعلمون حين يعاينون العذاب ويكشف عنهم الغطاء من هو المحق ومن هو المبطل". وقال الإمام القرطبي: "وصفهم بالشرك مبيناً أن استهزاءهم بالنبي فرع عن كفرهم برب العالمين وجعلهم الشريك له؛ وفي قوله {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تهديد عظيم أوجز في لفظه وأعظم في معناه".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في ربط "الاعتداء على مقام النبوة بالاستهزاء" بـ "الاعتداء على مقام الألوهية بالشرك"؛ لبيان أن من تجرأ على الشرك بالله والاستهانة بعظمته لا يستغرب منه الاستهزاء بأشرف الخلق وحملة التوحيد. وجاء ترتيب المفعولين بتقديم الظرف {مَعَ اللَّهِ} للتشنيع على جرمهم؛ فكيف يجرؤ عبد مخلوق ضعيف أن يضع حجراً أو وثناً في مقام المعية والندية مع الإله الحق القهار الذي خلق السموات والأرض؟! ثم أعقب ذلك بالتفريع الصاعق المقترن بحرف التهديد {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} محذوف المفعول؛ ليترك النفس ترتجف من هول ما سيعلمونه حين ينكشف الغطاء ويعاينون النكال.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. ربط الأخلاق والسلوك بأصل العقيدة: الشرك بالله هو منبع كل انحراف أخلاقي وسلوكي؛ فمن لم يوقر ربه وخالقه استهان بالرسل والعباد. 2. الاطمئنان لسنن الإمهال الإلهي: تأخر العقوبة الدنيوية عن الظالم لا يعني نجاته، بل هو مؤجل إلى أجل مسمى سيعلم فيه عاقبة طغيانه. 3. عزة الموحد أمام جحافل الشرك: الموحد الصادق يرى المشركين المستهزئين بعين الشفقة والخوف عليهم من العذاب القادم الذي لا طاقة لهم به.