لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
رتبت الآية الكريمة النتيجة التربوية والسلوكية المترتبة على إيتاء القرآن العظيم؛ فنهاه الله عن التطلع إلى زخارف الدنيا وزينتها الفانية التي متع بها الكفار، وأمره بألا يحزن على كفرهم وإعراضهم، وأن يلين جانبه ويرعى المؤمنين المستضعفين الذين اتبعوه. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك قالوا: "لما أنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، قال لنبيه: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} أي: لا تنظرن بعين الرغبة والاستحسان إلى ما متعنا به أصنافاً من المشركين من الأموال والرياش والنساء؛ فإنه زهرة زائلة ومتاع قليل، وما أوتيته من القرآن خير وأبقى". وروى ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً، فأرسلني إلى رجل من اليهود فقال: قل له: إن محمداً رسول الله يقول لك: أسلفني دقيقاً إلى هلال رجب، فقال اليهودي: لا والله إلا برهن! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أما والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي إليه فارهنه، فلما خرجت نزلت هذه الآية: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} كأنه يعزيه عن الدنيا". وفي قوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} قال قتادة: "ألن جانبك للمؤمنين وتواضع لهم وارفق بهم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب غاية في الدقة والترتيب النفسي والاجتماعي؛ فبعد أن أثبت له الغنى الروحي والفكري بالقرآن في الآية السابقة، فرع عليه ثلاثة توجيهات حاسمة:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. عفة العين والقلب عن زخارف الدنيا: تربية النفس على الرضا والقناعة وعدم الانبهار بمظاهر الترف والكماليات التي يمتلكها أهل الباطل؛ فالحقيقة في الآخرة. 2. التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: شيمة القائد الناجح والداعية الصادق هو اللين والرحمة بالمؤمنين ومواساتهم وإشعارهم بكرامتهم وعزتهم. 3. التوازن النفسي في الدعوة: الداعية لا يجلد نفسه حسرة على من كفر وأعرض بعد البلاغ؛ فالهداية بيد الله وحده، والواجب هو أداء الأمانة وحفظ المؤمنين.