إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
تضمنت الآية الكريمة وعداً إلهياً حاسماً وضمانة ربانية مطلقة بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفايته شر رؤوس الكفر والعتو بمكة الذين تمالؤوا على الاستهزاء بشخصه الشريف ودعوته المباركة. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» والبزار والحاكم وصححه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن إسحاق والشعبي قالوا في قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}: "كان المستهزئون برئيسهم خمسة نفر من كبراء قريش وأشرافهم:
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب في منتهى اللطف والتأييد الإلهي؛ فبعد أن أمره في الآية السابقة بأعظم أمر حركي وهو الصدع العلني بالحق {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، وهو مقام قد توجس فيه الطبيعة البشرية من بطش الصناديد واستهزائهم، عاجله الله بالبشارة والتأمين المطلق: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}. فبدأ بالجملة الاسمية المؤكدة بـ {إنّ} الدالة على الثبوت والعظمة، واستعمل الفعل الماضي {كَفَيْنَاكَ} لتحقيق الوقوع كأنه أمر قد فرغ منه وقضي في الأزل، مما يملأ قلب النبي طمأنينة ويقيناً بأن أعداءه محكوم عليهم بالهلاك العاجل. وجاء تعريف {الْمُسْتَهْزِئِينَ} بأل الجنسية أو العهدية ليفيد كفايته شر أولئك الصناديد المعهودين وشر كل مستهزئ يسير على نهجهم إلى يوم الدين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. السكينة والثقة بحفظ الله للدعوة ورسولها: طمأنينة قلوب المؤمنين بأن الجناب النبوي محروس بحفظ الله، وأن كل طعن فيه سينقلب حسرة ودماراً على أصحابه. 2. عدم المبالاة باستهزاء المبطلين: على الدعاة والمصلحين ألا يحزنوا من حملات التشويه والسخرية الإلكترونية والإعلامية؛ فالاستهزاء سلاح المفلسين، والله كافٍ عباده الصادقين. 3. التفرغ للصدع بالحق: كفاية الله تدعو المسلم إلى الانطلاق في العمل والإنتاج الدعوي دون خوف ولا تردد؛ فالله يحمي الظهر ويكفي المؤونة.