وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
واصلت الملائكة الكرام تثبيت لوط عليه السلام وتأكيد صدق نبئهم وحتمية نزول أمر الله، مقروناً بالعدل الإلهي والقضاء المبرم الذي لا مرية فيه. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن السدي وابن زيد قالا: "قوله: {وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ} يعني: بالصدق من عذاب الله الذي لا شبهة فيه، وبالعدل الذي لا ظلم فيه، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به من إهلاكهم ونجاتك وأهلك". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "الحق هنا هو قضاء الله الذي قضاه في قوم لوط ألا يدع منهم أحداً، وإنا لصادقون في نصرتك وإنجائك". وقال الإمام البغوي في تفسيره: "{وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ} أي: باليقين من عذاب الله وإهلاك قومك، وقيل: بالعدل في مجازاتهم على قبائح أفعالهم، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في خبرنا أنهم هالكون".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بسابقتها أوثق ارتباط؛ فبعد أن بينوا جنس ما جاؤوا به وهو العذاب المستحق {بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ}، أتبعوه ببيان صفته الجوهرية وهو أنه {الْحَقِّ} الذي لا حيف فيه ولا ظلم ولا عبث، بل هو مقتضى الحكمة والعدل والربوبية في استئصال الخبث وتطهير المعمورة. ثم ختموا مقالتهم بالجملة الاسمية المؤكدة بأقوى أدوات التوكيد: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (إنّ، واللام المزحلقة، واسم الفاعل الدال على الثبوت)؛ ليرفعوا كل ذرة شك أو قلق من فؤاد لوط، وليعد نفسه للسير والخروج قبل أن ينفجر الصبح بالعذاب الماحق.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الالتزام بالحق والصدق شعار المصلحين: على الدعاة والمربين أن يكون رائدهم في كل قول وعمل هو الحق والصدق؛ فبهما تقوم السموات والأرض وتثبت دعائم المجتمعات. 2. الاطمئنان لعدالة القضاء الإلهي: حين يرى المؤمن بطش الله بالمفسدين والظلمة، يمتلئ قلبه يقيناً بأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن أفعاله سبحانه كلها حق وحكمة وعدل. 3. أثر الكلمة الصادقة المؤكدة في تثبيت القلوب: أهمية الكلمة الثابتة المطمئنة في مواقف الأزمات والمحن الكبرى لتبديد الشكوك وإعادة التوازن النفسي والروحي لأهل الإيمان.