قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
رد إبراهيم عليه السلام على مقالة الملائكة رداً حاسماً ينفي عن نفسه أصل القنوط، ويبين القاعدة الكلية في حقيقة اليأس وأنه لا يصدر إلا عن أهل الضلال والجهل بالله تعالى وأسمائه وصفاته. روى الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة في قوله: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} قالوا: "الضالون هم الخاطئون الكافرون الذين يجهلون سعة رحمة الله وعظيم قدرته". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: "المؤمن يرجو رحمة الله ويخاف عذابه، والضال الكافر هو الذي يقنط من رحمة الله إذا اشتد به البلاء". وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله عز وجل إزاره فإن إزاره الكبرياء ورداؤه العزة، ورجل شك في أمر الله، والقنوط من رحمة الله". وقال الإمام ابن كثير: "يقول إبراهيم عليه السلام مبيناً أنه ليس بقانط، وإنما تعجب من ولادة الولد في حال الشيخوخة: ومن يقنط من رحمة الله إلا من ضل عن طريق الهدى والصواب وجهل عظمة ربه وسعة فضله".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغت هذه الآية قمة الإحكام والروعة في تصحيح المفاهيم ورد الإيهام؛ فلم يكتف إبراهيم عليه السلام بقول: "لست من القانطين"، بل ارتقى إلى تقرير أصل عقدي توحيدي كلي بصيغة الاستفهام الإنكاري الحاصر: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}. وفي إضافة الرحمة إلى {رَبِّهِ} سر عظيم في النظم؛ فالرب هو الخالق المربي والمالك المنعم المتكفل برعاية عباده وسوق الأرزاق والإحسان إليهم؛ فكيف يقنط عبد يعلم أن ربه هو رب الرحمة والجود والكرم؟ وبهذا النظم الرصين فصل إبراهيم بين نوعين من الإدراك: "استعظام العادة البشرية والدهشة لخرقها" (وهو كمال التفكر والتعجب المحمود)، وبين "اليأس والقنوط من قدرة الله وتفضله" (وهو الضلال المبين والكفر المذموم)، فبرأ ساحته من الثاني، وأكد رسوخه في الأول.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. غرس عقيدة الرجاء وحسن الظن بالله: حماية القلوب من الإحباط واليأس في أوقات الشدائد والنوازل الفردية والأممية؛ فاليأس بضاعة الشيطان وطريق الضالين، والمؤمن لا يزيده البلاء إلا تعلقاً برحمة ربه. 2. التمييز بين الضعف الجبلي والشك العقدي: على الداعية أن يفهم طبيعة النفس البشرية، وألا يتعجل باتهام القلقين أو المتعجبين من هول المصائب بالقنوط، بل يبين لهم سعة رحمة الله ويربطهم بربهم. 3. التحذير من سوء الظن بالله: سوء الظن برحمة الله يورد المهالك ويقود إلى انطفاء نور الإيمان؛ لذا كان أعظم زاد للسالك إلى الله هو اليقين المطلق بأن رحمة الله وسعت كل شيء وأن فرجه قريب.