فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ
وصفت الآية الكريمة الدواء الإلهي الشافي لضيق الصدر وألم النفس؛ وهو الفزع إلى التسبيح المقترن بحمد الله، واللجوء إلى الصلاة والسجود بين يدي الله تعالى؛ فإن في ذلك انشراحاً للصدور وزوالاً للهموم والغموم. روى الإمام أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ صلّى"، وفي رواية: "فزع إلى الصلاة". وروى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} قالوا: "أي إذا ضاق صدرك بما يقولون فافزع إلى تسبيح ربك وحمده، وافزع إلى الصلاة والسجود؛ فإن الله كافيك ومذهب عنك ما تجد ومفرج كربك". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "أمر الله نبيه إذا غمه كلام المشركين أن يستعين بالتسبيح والصلاة، وكان ابن عباس يقول: من ضاق صدره فليكثر من التسبيح والسجود يذهب الله غمه". وقال الإمام القرطبي: "السجود هاهنا يعبر به عن الصلاة كلها، وعبر بالسجود لأنه أشرف أركان الصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الترتيب القرآني يمثل قمة الطب الروحي والتربية الإيمانية؛ فالفاء في {فَسَبِّحْ} فاء التعقيب والشفاء؛ أي ما دام صدرك يضيق بأذاهم فلا تنشغل بالرد عليهم، ولا تستسلم لظلمات الحزن، بل بادر فوراً إلى ملاذ الروح الأعظم: "التسبيح والحمد والسجود". والجمع بين {التَّسْبِيحِ} و{الْحَمْدِ} جمع بين التخلية والتحلية؛ فالتسبيح تنزيه لله عن نقائص المشركين وشركهم، والحمد إثبات لصفات الكمال والإنعام وشكر على نعمة الوحي والنبوة. ثم أردف ذلك بالأمر بالدخول في زمرة المصلين: {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}، ولم يقل "واسجد"؛ للدلالة على ملازمة هذه العبادة والانخراط في سلك العابدين الساجدين المقربين؛ فالصلاة هي معراج الروح الذي ينقل العبد من ضيق الأرض إلى سعة السماء.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التسبيح والصلاة بلسم ضيق الصدور: وصفة قرآنية نبوية لكل مكروب ومهموم ومظلوم؛ أن يفزع إلى المحراب ويسبح بحمد ربه ويكثر من السجود. 2. الاستعانة بالعبادة على أداء أمانة البلاغ: الداعية لا يستمد طاقته من المدائح والثناء، بل يستمدها من خلواته ومناجاته لربه في جوف الليل وسجدات النهار. 3. أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد: استثمار دقائق السجود في الدعاء والتذلل والانطراح بين يدي الله لنيل السكينة والنصر.