قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
تضافرت الروايات التفسيرية المسندة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في بيان مقالة الملائكة الكرام لإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين رأوا وجله واستشعاره الخيفة منهم، إذ لم تمتد أيديهم إلى طعامه (عجل حنيذ). روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» بإسناده الصحيح عن قتادة قال: "لما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، فقالت الملائكة: {لَا تَوْجَلْ} أي: لا تخف ولا تفزع، {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} يعني: إسحاق عليه السلام". وأخرج ابن أبي حاتم وابن كثير من طريق مجاهد أن البشرى هنا كانت بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب؛ ومصداق ذلك في سورة هود: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}، وفي سورة الصافات نعت إسماعيل بالحليم: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}، ونعت إسحاق بالعليم: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}، وفي سورة الذاريات: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}. وقال الإمام القرطبي: "والغلام العليم هو إسحاق بلا خلاف بين المفسرين في هذه الآية، ووصف بالعلم لأنه علم ينشأ عليه ويصير إليه في كبره ونبوته، وهو علم الرسالة والشريعة والتأييد الإلهي".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم الإعجازي في تصدير التسلية بنفي الخوف {لَا تَوْجَلْ} قبل إيراد البشارة المفرحة؛ ذلك أن إزالة الروع ودفع المكروه مقدم طبعاً وبلاغة على جلب المسار والأفراح، فتخلية القلب من الاضطراب والهلع شرط لازم للتمكن من استيعاب البشرى والاستبشار بها. ثم جاء التأكيد بـ {إِنَّا} الدالة على العظمة وتفخيم الشأن، مقترنة بنسب الفعل إليهم بصيغة المضارع {نُبَشِّرُكَ} الدال على تحقيق الإخبار المتجدد بالبشارة العاجلة التي لا يتطرق إليها كذب ولا تخلف؛ لأنهم رسل رب العالمين المبلغون عن أمره وقدره النافذ. ويتناسب نعت الغلام بـ {عَلِيمٍ} مع مقام النبوة ومقام محاجة إبراهيم لقومه بالبراهين العقلية والحجج التوحيدية التي ساقها الله في محكم تنزيله؛ فوريث هذا البيت التوحيدي لا بد أن يكون متصفاً بأعلى مراتب العلم الإلهي والرسالي.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. أدب التسكين والتطمين: على الداعية والمربي أن يبدأ دائماً بإزالة المخاوف وتبديد القلق من نفوس المسترشدين والمبتلين قبل أن يسوق لهم التكاليف أو الأخبار؛ فالقلب الخائف المشوش لا يعي الحكمة ولا يذوق حلاوة البشارة. 2. قيمة العلم وشرفه: لم تبشر الملائكة إبراهيم بغلام ذي سلطان دنيوي أو مال وفير، بل بشروه بـ {غُلَامٍ عَلِيمٍ}، مما يدل على أن أشرف ما يوهب للعبد بعد التقوى هو العلم النافع الذي يهدي إلى الله ويعمر الكون بالحق. 3. التفاؤل ونشر البشرى: التخلق بخلق الملائكة في نشر البشائر وبعث الأمل في النفوس المنكسرة؛ فالمؤمن مستبشر برحمة ربه ناشر للسرور حيثما حل وارتحل.