إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ
عقبت الآية الكريمة على مشهد دمار قوم لوط ببيان العبرة والحكمة العظمى المستخلصة منه، موضحة أن هذا الحدث التاريخي الكوني ليس مجرد قصة عابرة، بل هو منجم من الدلائل والبراهين لأصحاب الفراسة والقلوب الحية وأهل التفرس والاعتبار. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} قال: "للناظرين المعتبرين؛ والمتوسم هو الذي ينظر في الشيء فيستدل به على غيره ويتفرس فيه". وروى الترمذي في «سننه» وابن جرير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ}". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "المتوسمون هم المتفرسون العارفون بحقائق الأشياء ومآلاتها". وعن قتادة قال: "للمعتبرين الذين إذا رأوا عذاب الله للظالمين اعتبروا وخافوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم". وقال الإمام القرطبي: "التوسم: التفرس والتفكر، وهو مأخوذ من الوَسْم وهو الأثر والعلامة؛ كأن المتوسم يطلب السمة والعلامة الدالة على مراد الله وحكمته في خلقه".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التعقيب الرباني بالجملة الاسمية المؤكدة بـ {إنّ} واللام المزحلقة ليرفع الواقعة التاريخية من نطاق الحدث المحلي إلى مستوى "القانون الكلي المستمر" الصالح لهداية البشرية في كل العصور. وتنكير {لَآيَاتٍ} بصيغة الجمع يفيد التكثير والتنوع والتعظيم؛ أي دلائل وبراهين لا تحصى على توحيد الله، وصدق رسله، وعدالة جزائه، وخطورة الفواحش، وسنن استئصال الظلمة. وتخصيص هذه الآيات بـ {لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} إشارة نظمية بارعة إلى أن آيات الله الكونية والتاريخية مبسوطة في الآفاق، ولكن لا ينتفع بها إلا أصحاب العقول الذكية والنفوس النقية الذين يتفرسون في العلامات ويغوصون إلى الأعماق، ولا يقفون عند القشور السطحية.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تنمية ملكة التفرس والاعتبار: حث المسلم على النظر في التاريخ وأحوال الأمم البائدة بعين الفاحص المتأمل لاستخراج السنن الربانية وتجنب مسالك الهالكين. 2. قيمة الفراسة الإيمانية في القيادة والتوجيه: الداعية والمربي يحتاج إلى التوسم والفراسة في قراءة النفوس ومعرفة أحوال المدعوين ومآلات الأحداث لتنزيل التوجيه المناسب في الوقت المناسب. 3. التطهر من الشهوات لنيل البصيرة: المعاصي تورث ظلمة في القلب وعمى في البصيرة تحجب العبد عن فهم آيات الله، بينما الطاعة تورث النور وصفاء الفراسة.