فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
سجلت الآية الكريمة لحظة الفصل الإلهي ومحق ثمود بعد انقضاء الأيام الثلاثة التي أنذرهم إياها نبيهم صالح عليه السلام في قوله: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: "لما كان صبيحة اليوم الرابع من بعد عقرهم الناقة، وهو يوم الأحد، جلسوا مكفنين متحنطين ينتظرون ما وعدوا به، فلما أشرقت الشمس وأصبحوا، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من تحتهم، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين هامدين". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} قال: "الصيحة: صوت العذاب من السماء، أرسل الله جبريل عليه السلام فصاح بهم صيحة واحدة، فخروا موتى أجمعين في وقت الصباح". وقال الإمام القرطبي: "أخذتهم الصيحة مصبحين أي داخلين في الصباح؛ وكان ذلك بعد أن احمرت وجوههم في اليوم الأول، واصفرت في اليوم الثاني، واسودت في اليوم الثالث، فلما كان الصباح أخذتهم الصيحة فبادوا عن آخرهم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في تماثل الألفاظ وتقابل المشاهد بين إهلاك قوم لوط في الآية (73): {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}، وبين إهلاك ثمود هنا في الآية (83): {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ}. وهذا التناسب الصوتي والمعنوي يرسي قاعدة استقرار السنن الإلهية؛ فالسلاح الإلهي واحد وهو {الصَّيْحَةُ}، والميقات متقارب مع مطلع النهار ومقدماته {مُصْبِحِينَ} و{مُشْرِقِينَ}؛ لبيان أن هؤلاء المجرمين على اختلاف بلدانهم وقواهم يخضعون لنفس الناموس الإلهي العادل. وجاء التعقيب بالفاء بعد ذكر نحتهم للجبال {آمِنِينَ} ليؤكد السرعة الخاطفة في تبديد ذلك الأمن الموهوم؛ فبينما هم في بطون الجبال ظانين الحصانة، إذا بالصوت الهائل يخترق الصخر ويصعقهم وهم مصبحون.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاعتبار بمصارع الغافلين المستكبرين: كم من أمة باتت آمنة في قصورها فأصبحت هامدة في قبورها؛ فالواجب دوام الاستغفار واللجوء إلى حمى الله. 2. عجز القوى المادية أمام التدبير الإلهي: تسلية للمؤمنين المستضعفين في كل عصر؛ بأن جبروت الطغاة وقلاعهم العسكرية وصواريخهم لا تعجز الله إذا أذن بزوالهم. 3. التأهب للقاء الله في كل وقت: الصباح والمساء مذكران بالانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء، فالسعيد من استعد لنهاية أجله بصالح العمل.