وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ
بينت الآية الكريمة الوحي الحاسم والقضاء الإلهي المبرم الذي أوحاه الله إلى لوط عليه السلام، مؤكداً استئصال القوم الكافرين بالكلية عند انبثاق الصباح، بحيث لا يبقى منهم بقية ولا يعقبهم نسل. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ} قالا: "أي أوحينا إليه وأخبرناه وقدمنا إليه في ذلك، وأعلمناه أن قومه هالكون عند الصباح". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} قال: "الدابر هو الآخر الذي يدبر القوم، ومعناه: استئصال شأفتهم وهلاك آخرهم، لا يفلت منهم أحد ولا يبقى لهم بقية إذا دخلوا في وقت الصباح". وقال الإمام القرطبي: "وقضينا إليه: أي أحكمنا وأوجبنا وفرغنا من الأمر؛ والقضاء هاهنا بمعنى الإعلام والوحي المقطوع به؛ والدابر: الذي يتبع الشيء ويكون في آخره، فقطع دابرهم معناه إفناؤهم عن آخرهم بحيث لا ينبت لهم أصل ولا يبقى لهم فرع".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التعبير بقوله {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ} مفرداً دالاً على جلال الألوهية وإحكام التدبير؛ فالقضاء هنا إلهي محض صادر من العلي الأعلى، وتعديته بـ {إِلَيْهِ} تفيد وصول الحكم المستقر إلى قلب لوط استقراراً لا يدع مجالاً للتردد. واستعمال اسم الإشارة الدال على التعظيم والتهويل {ذَٰلِكَ الْأَمْرَ} تهيئة لتلقي النبأ الجلل، ثم جاء التفسير بـ {أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} جملة اسمية مؤكدة بـ {أنّ} واسم المفعول {مَقْطُوعٌ}؛ لتقرير الحتمية المطلقة للاستئصال. وتحديد الميقات بـ {مُّصْبِحِينَ} يتناسق مع قوله في سورة هود: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}؛ إذ الصباح وقت الانتشار وظهور الضوء، فكان هلاكهم في وضح النهار أبلغ في الفضيحة والاعتبار.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. السكينة بوعد الله وقضائه المبرم: حين يعلم المؤمن أن مجريات الأمور بيد الله وأن أحكامه وقضاءه نافذة، تمتلئ نفسه طمأنينة ويزول عنه الخوف من بطش الظالمين وانتفاش الباطل. 2. عاقبة الاستكبار محق تام: مصير كل أمة أو فئة تمردت على فطرة الله وتحدت شريعته هو قطع الدابر ومحو الأثر؛ لتبقى العبرة قائمة للأجيال اللاحقة. 3. وضوح الرؤية عند المحن: إعلام الله لنبيه بمآلات الصراع بين الحق والباطل يعطي الثبات والوضوح واليقين الذي لا يتزعزع في أحلك الظروف.