وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
تجلت في هذه الآية الكريمة أسمى صور الملاطفة والرحمة والمواساة الربانية لقلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث أعلمه ربه بإحاطة علمه بما يعتلج في صدره الشريف من الألم والحزن والضيق الإنساني الطبيعي بسبب ما يرميه به الكفار من السحر والكهانة والافتراء والاستهزاء. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك في قوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} قالوا: "يقول الله تعالى لنبيه: ولقد نعلم يا محمد أنك يحرج صدرك ويضيق ويثقل بما يقول المشركون من تكذيبك والطعن في دينك والاستهزاء بك، وإنا لعالمون بحزنك وألمك، ولن نضيعك". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بكلامهم ويضيق صدره حزناً عليهم وشفقاً من تكذيبهم، فواساه الله وسلاه". وقال الإمام القرطبي: "ضيق الصدر: الحرج والغم الذي يلحق الإنسان عند سماع المكروه؛ وإنما كان يضيق صدره صلى الله عليه وسلم غيرة على الدين وشفقة عليهم من العذاب، ولما في الطبع البشري من كراهية الشتيمة والأذى".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التعبير القرآني من أرق وأبدع ما نزل في تطييب خاطر المصطفى وتثبيته؛ فافتتاح الجملة بالقسم المؤكد بنون العظمة: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} يفيض بالحنّو الإلهي السابغ والرعاية الفائقة؛ فكأن الله يقول له: لست وحدك يا حبيبي، فنحن نرى ألمك، ونعلم حزنك، ونسمع ما يوجع فؤادك، وعلمنا هذا محيط بك يرعاك ويكلؤك. وجاء إسناد الضيق إلى {صَدْرُكَ} بصيغة المضارع {يَضِيقُ} للدلالة على تجدد هذا العارض البشري مع تجدد أقوالهم وسفاهاتهم؛ فالصدر مستودع المشاعر وموضع النفس الحساسة. والسببية بالباء {بِمَا يَقُولُونَ} تفيد أن الكلمات الجارحة لها وقع أليم على النفوس الكريمة الطاهرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر بصفته الإنسانية الفطرية، فجاء التثبيت الإلهي ليعيد لقلبه الانشراح والسكينة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. مشروعية التألم النفسي الفطري: ليس عيباً في إيمان الداعية أن يتألم ويحزن لما يسمع من افتراءات وأكاذيب؛ فالأنبياء بشر يعتريهم الحزن، والمهم ألا يحملهم الألم على التراجع أو معصية الله. 2. عظمة الرعاية والتعاطف الرباني: استشعار معية الله وعلمه بحال العبد؛ فإذا ضاقت بك السبل فقل: "حسبي أن ربي يعلم ما بي"، ففي علمه غنية عن الشكوى للخلق. 3. التمهيد للعلاج الإيماني الشافي: لم يترك الله نبيه مع ضيق صدره، بل وصف له الدواء الشافي في الآية التالية مباشرة، ليعلم المكروب كيف يداوي قلبه.