إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
ختم الله تعالى هذا المقطع العظيم بتقرير أسمائه الحسنى وصفاته العلى، مؤكداً لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ربه الذي خلقه ورباه بالوحي هو الخلاق لكل شيء، العليم بكل كائن، القادر على إعادة الخلق وبعثهم، والعليم بما تكنه صدور أعدائه وما يستحقونه من الجزاء. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} قال: "الخلاق: الذي خلقهم وخلق كل شيء، وهو قادر على أن يعيدهم كما بدأهم، العليم بما يصلحهم وبما يسرون وما يعلنون، والعليم بما يؤول إليه أمرهم من الثواب والعقاب". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي قالا: "هو الخلاق لجميع البريات جيلاً بعد جيل، العليم بآجالهم وأعمالهم ونياتهم، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء". وقال الإمام القرطبي: "الخلاق: صيغة مبالغة من الخالق، أي الكثير الخلق، يخلق خلقاً بعد خلق ويفعل ما يشاء؛ والعليم: المحيط علماً بكل ما خلق وبكل ما يقولون ويفعلون".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التذييل في غاية المناسبة لما قبله؛ فبعد أن أثبت خلق السموات والأرض بالحق وقرب مجيء الساعة، وأمر بالصفح الجميل، علل كل ذلك بالجملة الاسمية المؤكدة بحصر القصر: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}. فنسبة الربوبية إلى كاف الخطاب {رَبَّكَ} تسلية وتثبيت خاص لقلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي أن الذي يتكفل بنصرتك وحفظك وتوجيهك هو ربك الخالق العليم بكل شيء. واقتران اسم {الْخَلَّاقُ} بـ {الْعَلِيمُ} جمع بين "القدرة المطلقة على الإيجاد والبعث" وبين "العلم المحيط بالأعمال والجزاء"؛ فمن كان كذلك كان قادراً على بعث الخلائق وإقامة الساعة والانتقام من المشركين، وعليماً بما يعانيه نبيه من ضيق الصدر فيجازيه بالرضوان الأكبر.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التعلق بأسماء الله وصفاته: معرفة العبد بأن ربه هو الخلاق العليم يورث في قلبه عظمة الله وخشيته، ويملأ فؤاده يقيناً بقدرة ربه على تفريج الكربات. 2. اليقين بالبعث والجزاء: إذا تذكر المؤمن أن الخلاق العليم لا يغفل عن عمل عامل، خاف من ذنوبه واستبشر بما يقدمه من صالحات. 3. تطمين الداعية بمعية الخالق العليم: يا أيها الداعية، امضِ في طريقك واصفح عن الجاهلين؛ فإن ربك العليم بحالك وبكيد أعدائك سيكفيك أمرهم ويحقق نصرك.