قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
كشفت الملائكة الكرام لنبي الله لوط عن سر وفودهم وهويتهم الحقيقية، مبددين خوفه وقلقه، وموضحين أنهم جاؤوا بالعذاب المستأصل الذي طالما أنذر به لوط قومه فكذبوه وماروا فيه وشككوا في وقوعه. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والضحاك في قوله: {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} قالوا: "أي جئناك بعذاب الله ونقمته وهلاكهم الذي كانوا يشكون فيه ويكذبونك به؛ إذ كانوا يقولون: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "قالت الملائكة للوط حين رأوا فزعه: لا تخف ولا تنكرنا، بل جئناك بالهلاك الذي أنذرتهم به فامتروا فيه، وشكوا في نزوله". وقال الإمام القرطبي: "والمرية: الشك والجدال فيه؛ أي جئناك بما كانوا يجادلونك فيه ويشكون في قدرة الله على إنزاله، وهو العذاب القاصم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ النظم الإعجازي غايته باستعمال حرف الإضراب {بَلْ} الذي قلب مسار الحوار والمشاعر؛ فبينما كان لوط يعيش في خانة القلق على الأضياف، أحدثت كلمة {بَلْ} نقلة شعورية حاسمة نقلته إلى مقام الطمأنينة والنصرة والانتقام الإلهي من الفسقة. وجاء التعبير بالاسم الموصول {بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} مشتملاً على تفخيم العذاب وتهويل أمره؛ إذ أبهم اللفظ ليدل على عظمه وهوله، وليربط بين عنادهم السابق والجزاء الحاضر. وفي تقديم الجار والمجرور {فِيهِ} على الفعل {يَمْتَرُونَ} اختصاص وعناية؛ أي أن امتراءهم وشكهم كان منصباً ومتمحضاً في هذا العذاب الموعود الذي كانوا يستهزئون به، فصار حاضراً يدق أبوابهم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تسلية الدعاة بنصر الله وتحقيق وعيده: على الداعية أن يوقن بأن تكذيب المكذبين واستهزاءهم بالحق مؤقت، وأن وعد الله واقع لا محالة مهما طال أمد الإمهال. 2. تبديد المخاوف بالحقائق الكبرى: مسارعة أهل الإيمان والفضل إلى تبديد أوهام إخوانهم وبث الطمأنينة في نفوسهم بذكر نصر الله ومعيته. 3. خطورة الشك والمراء في آيات الله: المماترة والجدال بالباطل في مواجهة آيات الله وعقوباته من موجبات سخط الله وتعجيل هلاك الأمم.