وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
عقبت الآية الكريمة على مصارع المكذبين بتقرير الغاية الكبرى من خلق الوجود بأسره، موضحة أن هذا الكون الفسيح لم يخلق عبثاً ولا باطلاً، بل خلق بالحق ولإقامة الحق، وأن هناك موعداً فاصلاً لا ريب فيه للجزاء والحساب وهو قيام الساعة، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بالصفح الجميل عن أذى المشركين وإعراضهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} قالا: "أي ما خلقناها باطلاً ولا لعباً، بل خلقناها بالعدل والقسط والقدرة والحكمة، لنجزي الذين أساؤوا بما عملوا ونجزي الذين أحسنوا بالحسنى". وفي قوله: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} قال ابن عباس: "يعني القيامة والبعث واقع لا محالة، فينتصف الله للمظلومين ويثيب المتقين ويعذب الكافرين". وفي قوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي قالا: "الصفح الجميل: هو العفو والإعراض عما يلقى من أذاهم بغير جزع ولا شكوى لغير الله، وكان هذا قبل الأمر بالجهال والقتال". وقال الإمام القرطبي: "الصفح الجميل: هو العفو بغير عتاب ولا تقريع، مأخوذ من صفح الوجه وهو جانبه، كأن الصافح يوليهم صفحة وجهه إعراضاً عن مؤاخذتهم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النظم القرآني يمثل قمة الارتقاء العقائدي والتربوي؛ فبعد استعراض مصارع الأمم الخالية (قوم لوط، أصحاب الأيكة، ثمود)، لم يترك القلب في وحشة الدمار، بل رفعه إلى آفاق الكون الكبرى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}. وهذا التناسب يقرر أن عقوبات الظالمين ليست أحداثاً طارئة أو انتقاماً عشوائياً، بل هي خاضعة للحق الكوني الذي قامت عليه السموات والأرض؛ فالكون قائم على العدل، ومحال في ميزان الحق أن يستوي المصلح والمفسد. ثم قرن الحق بتقرير اليوم الآخر: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ}؛ لأن تمام العدل المطلق ومجازاة الخلائق لا يكتمل في الدنيا، بل لا بد من يوم تجتمع فيه الخلائق. ثم فرع على ذلك بالفاء الفصيحة أمره لنبيه: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}؛ أي ما دامت الساعة آتية وربك سيتولى الحكم والعدل، فلا تنشغل بمجازاتهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، بل اصفح صفحاً جميلاً واشتغل بالبلاغ والعبادة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الترفع عن الانتقام الشخصي: الداعية الحقيقي يقابل أذى الناس وجهلهم بسعة الصدر والصفح الجميل، موكلاً أمر الجزاء إلى الله تعالى. 2. الاطمئنان لعدالة الساعة والبعث: الإيمان باليوم الآخر يسكب السكينة في القلوب المظلومة؛ فما فات من عدل في الدنيا سيوفى كاملاً غير منقوص يوم القيامة. 3. التفكر في غائية الخلق: الكون كله يدعو الإنسان إلى استشعار الحق والجدية في الحياة؛ فلا مكان للعبث واللهو في عالم شيد بالحق والإحكام.