إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
ختم السياق القرآني قصة قوم لوط ومصارعهم بالتأكيد على أن هذا النبأ العظيم والآثار الباقية، إنما هي آية بينة وعبرة نافعة وحجة هادية لمن اتصف بصفة الإيمان وصدق بالله ورسله. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة في قوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} قال: "آية وعبرة للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بمواعظ الله وكتبه، ويعلمون أن ما توعد الله به الظالمين حق واقع لا محالة". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "إن في هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله لعلامة وبرهاناً للمؤمنين على صدق الرسل وأن الله ناصر أولياءه ومهلك أعدائه". وقال الإمام القرطبي: "خص المؤمنين بالذكر لأنهم هم الذين يتفكرون في آيات الله ويعتبرون بها فيزدادون إيماناً وتثبيتاً، وأما الكافر فيمر عليها معرضاً لا يزداد بها إلا عمى وضلالاً".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى إعجاز النظم وتناسقه في المقابلة الدقيقة بين ختام الآية (75) وختام هذه الآية (77): ففي الآية (75) قال: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} بالجمع؛ لأن التوسم بحث ونظر وتفحص في الدلائل والجزئيات والعلامات المتعددة، فاحتاج إلى جمع الآيات {لَآيَاتٍ}. أما هنا في الآية (77) فقال: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} بالإفراد؛ لأن المؤمنين قد استقرت في قلوبهم حقيقة الإيمان واليقين، فتكفيهم الواقعة برمتها كـ "آية واحدة جامعة" دالة على صدق النبوة وعدالة الجزاء، أو لأن الإيمان هو الثمرة الكبرى الواحدة التي تجتمع عندها كل العظات. كما أن ذكر {لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} أولاً هو مسلك استدلالي يمهد للوصول إلى مرتبة {لِّلْمُؤْمِنِينَ}؛ فالمتوسم ينظر ويتأمل فيقوده تأمله إلى الإيمان واليقين والاعتصام بالله.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. استثمار القصص القرآني في زيادة الإيمان: على المربي والدعاة استخدام قصص القرآن لتثبيت يقين المؤمنين برعاية الله وحفظه، وترسيخ الثقة بنصره القريب. 2. خصيصة الانتفاع للمؤمنين: المؤمن يتميز عن غيره بقلبه الحي الذي يتأثر بالمواعظ ويرى في كل حدث كوني عبرة تزيده قرباً من الله وإنابة إليه. 3. الجمع بين الفكر واليقين: التكامل المنشود في شخصية المسلم بين "التوسم العقلي واستقراء السنن" وبين "الإيمان القلبي والتسليم للوحي"؛ فالعقل الصريح يوافق النقل الصحيح ويهدي إليه.
قراءة تفسيرية تحليلية لسورة الحجر — الجزء الرابع (الآيات 78-99)