قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
انتقل الحوار القرآني البديع بين إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام والملائكة من شأن البشارة بالولد إلى استكشاف المهمة الكبرى التي أرسلوا من أجلها؛ إذ علم إبراهيم بفطنته النبوية أن مجيء هؤلاء الرسل الملائكيين العظام ليس مقتصراً على مجرد إدخال السرور عليه بالولد، بل وراءه شأن جسيم وأمر عظيم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} قال: "لما فرغوا من البشارة، سألهم إبراهيم: ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم له؟ فإنه علم أنهم رسل الله نزلوا بأمر ذي بال وخطب عظيم لا ينزلون به لمجرد البشارة". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "الخطب هو الأمر الجلل المستعظم، سألهم إبراهيم عليه السلام عما أرسلوا به بعدما استقر روعه وسكن جأشه وعلم أنهم ملائكة الله المقربون". وقال الإمام القرطبي: "والخطب: الشأن العظيم والداهية والمهمة الكبيرة التي تهم وتؤرق، وخاطبهم بـ {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} إكراماً وتوقيراً لوصف الرسالة بعد أن تيقن أنهم مبعوثون من عند الله تعالى".
يعكس النظم القرآني كمال الفطنة النبوية والأدب الرباني؛ فحين انتهت البشارة بالولد وتأكد إبراهيم من صدقها ودفع القنوط، لم يشتغل بالاستغراق في الفرح الذاتي أو الانكفاء على الشأن الأسري والخاص، بل نهضت همته الرسالية مستشرفة الأمر الإلهي العام: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ}. وافتتاح الاستفهام بالفاء {فَمَا} دال على التعقيب والترتيب؛ أي بعد أن استقر الروع واستيقنت البشارة بالحق، فما هو الهدف والغاية العظمى لوفودكم؟ وفي ندائهم بوصف {الْمُرْسَلُونَ} اعتراف صريح بمنزلتهم، وإقرار بأنهم سفراء أمر علوي نافذ، وتعريض بأن وراء هذا الوفد الملائكي قضاء إلهياً حاسماً ينتظر التنفيذ.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى: النموذج الإبراهيمي يعلم الداعية والمربي ألا ينشغل بحظوظ نفسه ونعمه الخاصة عن قضايا العدل والحق ومحاربة الفساد والظلم في الأرض. 2. اليقظة وسرعة الاستنباط: فطانة المؤمن تمكنه من قراءة الأحداث واستشراف مآلاتها؛ فالحوادث الاستثنائية وراءها سنن إلهية وتدابير ربانية تستوجب الاعتبار والتأمل. 3. أدب التخاطب مع أهل الفضل: مخاطبة أصحاب المراتب الدينية والرسالية بأوصافهم التكريمية التي تعكس منزلتهم وقدرهم عند الله.