قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
بلغت المحنة ذروتها، فأراد نبي الله لوط عليه السلام أن يدرأ الفاحشة المنكرة بأعظم ما يملك من نصح وبيان، فدعاهم إلى طريق الفطرة السوية والنكاح الشرعي الطاهر المباح، عارضاً عليهم التزوج ببنات قريته (أو بناته لصلبه) بدلاً من الاعتداء الآثم على الرجال. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: {قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي} قالوا: "بناته هنا: نساء أمته وقريته؛ لأن نبي كل أمة هو أبوهم، كما قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} وفي قراءة أبيّ بن كعب: (وهو أب لهم)، فدعاهم إلى نكاح نساء القوم وتزويجهن بالحلال ليدفع عنهم الفاحشة". وروى ابن أبي حاتم عن السدي وابن زيد قالا: "عرض عليهم بناته لصلبه، وكانتا ابنتين: ريثا وزعوراء، وقال: زوّجتكموهن بالحلال إن أردتم قضاء الوطر ودفعتم المهر، ولا تفعلوا ما لا يحل لكم". والقول الأول هو الذي رجحه المحققون من أئمة التفسير كابن جرير وابن كثير والقرطبي؛ لأن بناته لصلبه لا تكفي كل رجال المدينة المهرعين، ولأن النبي أب لأمته فنساء الأمة بناته. وفي قوله: {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} قال الطبري: "أي: إن كنتم فاعلين ما آمركم به من النكاح الحلال المباح والتزام ما أحل الله لكم وتاركين الفاحشة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يعكس النظم القرآني غاية التضحية والحرص الرسالي على هداية القوم وصيانة الفطرة؛ فعندما انغلقت الأبواب وتكالب الفجار، فتح لهم لوط باب الحل الأبدي والراحة النفسية وهو "الزواج الحلال": {هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي}. وتصدير الجملة باسم الإشارة الحاضر {هَٰؤُلَاءِ} تقريب للبديل الطاهر المتاح، وبيان لسهولته ويسره وأنه في متناول أيديهم دون حاجة إلى هتك الحرمات واقتحام الفواحش. ثم جاء الشرط الحكيم {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} مقيداً للطلب ومحرجاً لهم؛ أي إن كنتم تسمعون نصحاً وتريدون قضاء وطرتكم بما يرضي الفطرة ويوافق شريعة العقل والعدل، فهذا هو السبيل النظيف المستقيم، أما إن كنتم مصرين على الشذوذ والرجس فلستم فاعلين الحلال قط.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تقديم البدائل الشرعية: منهج الأنبياء والدعاة هو دلالة الناس على مخارج الحلال المتاحة وعدم الاقتصار على سرد الممنوعات؛ فالحلال فيه غنية وكفاية تامة عن الحرام. 2. عظمة الأبوة النبوية والدعوية: حب الداعية لأمته وشفقتهم عليهم كما يشفق الأب الرحيم على أولاده، وسعيه لسترهم وصيانتهم من السقوط في الموبقات. 3. فضح عناد المنحرفين: حين يرفض الشاذون باب الحلال المفتوح ويصرون على الحرام، يسقط كل ادعاء لهم بالاضطرار، وتتضح حقيقة شذوذهم كتمرد متعمد على الفطرة الإلهية.