وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
بينت الآية الكريمة سعة الحجة الإلهية التي قامت على ثمود، حيث آتاهم الله من الآيات والمعجزات الباهرات ما يقطع العذر ويوجب الإيمان، وفي مقدمتها الناقة العظيمة التي أخرجها الله لهم من صخرة صماء صلبة آية باهرة، ولكنهم واجهوا تلك النعم والمعجزات بالإعراض والعتو والاستكبار. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والحسن قالوا: "آياتنا هاهنا: الناقة وفصيلها والماء وبئرها؛ كان لهم شرب يوم ولها شرب يوم معلوم، تخرج لهم من الحجر الصوان الصامت ناقة وبراً عشراء تنتج فصيلاً مثلها، وتسقيهم لبناً يكفي جميع قريتهم، فكانت تلك الآيات كافية لهدايتهم، فأعرضوا عنها وكذبوها ثم عقروها". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "آتيناهم الآيات العظام الدالة على وحدانية الله وصدق صالح، فكانوا عنها معرضين لا يلتفتون إليها ولا يتفكرون فيها كبراً وعتواً". وقال الإمام القرطبي: "جمع الآيات وإن كانت المعجزة الظاهرة هي الناقة، لأن الناقة اشتملت على آيات شتى: خروجها من الصخرة، وحملها بغير فحل، وعظم خلقتها، وعذوبة لبنها وكثرته، وقسمة الماء بينها وبينهم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في التنديد البليغ بموقفهم الجاحد؛ فالله تعالى يعلن بكرمه وعظمته: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا}، فنسب الآيات إلى ذاته العلية تشريفاً وتعظيماً لها؛ للدلالة على وضوحها وقطعية دلالتها وأنه لم يبق لهم عذر ولا شبهة. ثم قابل ذلك الجود الإلهي بالفاء العاطفة الدالة على سوء طويتهم ومبادرتهم إلى الصدود: {فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}. وتقديم الجار والمجرور {عَنْهَا} على خبر كان {مُعْرِضِينَ} حصر واختصاص وتفخيم للأمر؛ أي أن إعراضهم لم يكن عن أمر تافه أو مشكوك فيه، بل كان منصباً بالذات عن تلك الآيات الربانية العظيمة التي لا يعرض عنها عاقل.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. خطورة الإعراض عن الوحي والبراهين: الإعراض عن آيات الله بعد قيام الحجة أعظم أسباب الطمس على القلوب وحلول العقوبات العاجلة والآجلة. 2. الاعتماد على الحجة والبرهان لا على الخوارق الحسية: منهج القرآن هو مخاطبة العقول والقلوب بالقرآن نفسه؛ لأن الإعراض عن الخوارق يعقبه الاستئصال. 3. تفقد مواطن الغفلة في النفس: على المسلم أن يحذر من الإعراض عن مواعظ الله وأوامره حين تتلى عليه، وأن يقابل آيات الله بالقبول والتسليم والانقياد.