فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
انتقل السياق القرآني من مشهد محاورة الملائكة لإبراهيم عليه السلام في دياره، إلى مشهد وصولهم إلى قرية سدوم حيث نزلوا على لوط عليه السلام في صورة فتيان حسان الوجوه؛ ابتلاءً من الله وتمحيصاً لقومه المجرمين. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» بإسناده عن قتادة ومجاهد والسدي في قوله: {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} قالوا: "خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل (وقيل معهم ملك رابع)، فأتوا لوطاً وهو في أرضه يعمل أو على باب مدينته عند غروب الشمس، فلما رآهم استنكر شأنهم لما رأى من حسن وجوههم وهيئاتهم، وخشي عليهم من فجور قومه". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "دخلت الملائكة قرية لوط في صورة غلمان مرد حسان الوجوه، ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة على القوم وإظهار عتوهم واستحقاقهم للعذاب الأليم". وقال الإمام القرطبي: "والمراد بـ {آلَ لُوطٍ} هنا: لوط نفسه ومن معه من أهل بيته الصالحين؛ فالعرب تطلق الآل وتريد به صاحب البيت وخواصه، وقد جاء في سورة الحجر بحذف تفاصيل الضيافة والمحاورة التي بسطت في سورة هود للإيجاز البليغ".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): طوى القرآن الكريم المسافة والزمن بين رحيل الملائكة من عند إبراهيم ووصولهم إلى سدوم بطريقة الإيجاز الإعجازي الرائع؛ للدلالة على سرعة نفاذ الأمر الإلهي وحتمية وقوع القدر. وجاء تقديم المفعول به {آلَ لُوطٍ} على الفاعل {الْمُرْسَلُونَ} لتسليط الضوء على الموقع الذي ستدور فيه معركة العفاف والطهر ضد الرجس والعدوان؛ فالمرسلون قادمون كقوة إلهية قاهرة، ولكن ساحة الحدث الإنساني والابتلاء النبوي إنما هي دار لوط وأهله. ويتناسب هذا الإيجاز مع مقصد سورة الحجر التي ركزت على إبراز سنة الله التي لا تتخلف في نصرة رسله واستئصال المكذبين بعد استنفاد فرص الإمهال.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاستعداد للابتلاءات غير المتوقعة: الداعية معرض لمفاجآت وأزمات تقتحم عليه بيته وواقعه؛ فعليه أن يوطن نفسه على الصبر والحكمة والاستعانة بالله في كل الأحوال. 2. سنة الإملاء والاستدراج للمجرمين: حين يصر أهل الفساد على طغيانهم، يهيئ الله الأسباب التي تظهر مخابئ نفوسهم وسوء طواياهم لتنزل بهم العقوبة وهم في غفلتهم يعمهون. 3. التوكل على تدبير الله الحكيم: على المؤمن ألا يقيس بواطن الأمور بظواهرها القاصرة؛ فكم من محنة ظاهرها الخوف والضيق، يكمن في باطنها الخير العميم والفتح المبين.