قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ
قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ
أجابت الملائكة خليل الرحمن عن سؤاله، مبينين الغاية الأساسية من هبوطهم من الملأ الأعلى إلى الأرض، وهي إنفاذ سخط الله وعذابه بقوم استمرؤوا الفاحشة وأصروا على الكفر والفسوق، وهم قوم لوط عليه السلام في سدوم وعمورة. أخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: "قوله: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} يعنون: قوم لوط، أرسلهم الله بإهلاكهم واستئصال شأفتهم لما عتوا عن أمر ربهم وأحدثوا الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين". وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: "لما قال إبراهيم: فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا: بعثنا الله إلى قوم مجرمين لنهلكهم، وهم قوم لوط". وقال الإمام البغوي في «معالم التنزيل»: "وصفهم الله بالإجرام لأنهم كفروا بربهم وكذبوا نبيهم، وأتوا الذكور وقطعوا السبيل وأتوا في ناديهم المنكر، فصار الإجرام وصفاً لازماً لهم". وبين ابن كثير أن الملائكة كَنّوا عن إهلاكهم بذكر الإرسال إليهم مقروناً بوصف إجرامهم؛ إشارة إلى أن الإرسال إنما هو إرسال نقمة واستئصال، جزاءً وفاقاً على تماديهم في الجريمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى كمال البلاغة في عدول الملائكة عن التصريح باسم قوم لوط أو بلدتهم إلى التعبير بالوصف العليّ الصريح: {إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}؛ ذلك أن مدار العقوبة الإلهية وسنة الإهلاك ليس معلقاً بالأنساب ولا بالبقاع والبلدان، وإنما هو معلق بـ "الوصف الجرمي" الطاغي الذي استوجب غضب الله واستحقاق المحق والاستئصال. وجاء بناء الفعل للمجهول {أُرْسِلْنَا} لإيجاز القول والتركيز على المهمة التنفيذية؛ إذ الفاعل معلوم قطعاً وهو رب العزة والجلال، وفيه إشعار بامتثالهم التام للأمر العلوي النافذ. كما أن تنكير {قَوْمٍ} ووصفهم بـ {مُّجْرِمِينَ} يفيد تحقير شأنهم وسقوطهم من عين الاعتبار، فلا يستحقون حتى مجرد التنويه بأسمائهم في مقام مخاطبة الملائكة للخليل.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. ربط العقوبات بأسبابها الجرمية: العقوبات الإلهية والسنن الكونية لا تجري اعتباطاً، بل هي مرتبطة ارتباطاً علياً محكماً باقتراف الإجرام والعدوان ومحاربة الفطرة الإنسانية السليمة. 2. خطورة التطبيع مع الفاحشة: إذا تلاشت الغيرة في الأمة ورضيت بالفواحش المنكرة عمتها العقوبات؛ فالسكوت عن المنكر مشاركة فيه تجعل أصحابه في عداد المجرمين. 3. التجرد في إنفاذ أمر الله: الملائكة رسل منقادون لا تأخذهم في إنفاذ أمر الله لومة لائم ولا عاطفة كاذبة؛ فالحق فوق كل اعتبار ومصلحة الإنسانية في طهارة الأرض من الفساد.