قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ
قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ
تصور الآية الكريمة موقف نبي الله لوط عليه السلام حين أحاط به قومه يريدون أضيافه، فوقف مدافعاً عن ضيوفه، مناشداً قومه بقيم المروءة والشهامة، محاولاً دفع عدوانهم واستنقاذ شرف الإنسانية وحرمة الضيافة. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: "وقف لوط عليه السلام على باب داره يدافعهم ويقول: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ} أي: لا تخزوني في أضيافي، ولا تهتكوا ستري بالاعتداء عليهم، فإن فضيحة الضيف فضيحة للمضيف وخزي يلحقه بين الناس". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "لما هجموا على الباب، خرج إليهم لوط فناشدهم الله والمروءة، وقال: هؤلاء نزلوا بي ضيوفاً، وفي إكرام الضيف شرف الرجل، فلا تفضحوني ولا تذلوني بين عشيرتي وأهل قريتي". وقال الإمام القرطبي: "الفضيحة: الخزي والعار وظهور ما يستحيا منه؛ وإنما قال ذلك لوط طلباً لدفعهم واستثارة لما قد يكون فيهم من بقايا المروءة وذمام الجوار، وهو لا يعلم بعدُ أنهم ملائكة لا سبيل لأحد إليهم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت مقالة لوط في غاية الاستعطاف والمناشدة؛ إذ صدر جملته بـ {إِنَّ} المؤكدة لتقرير واقع ملزم عرفاً وأخلاقاً: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي}، فإضافتهم إلى نفسه {ضَيْفِي} إعلان صريح بأنهم تحت حمايته وجواره وذمته، وأي اعتداء عليهم هو اعتداء مباشر على شخصه وشرفه. ثم رتب على هذا الإقرار بالفاء الفصيحة النهي الجازم: {فَلَا تَفْضَحُونِ}؛ مستثيراً نخوتهم إن كان بقي فيهم عرق من مروءة العرب أو شيم الكرام التي تحرم الغدر بالنزيل والضيف. ويتناسب هذا النداء النبوي مع مقامه المكروب في تلك اللحظة؛ إذ بلغ به الضيق مداه وهو يرى سيل الفجار يتدفق على بيته الطاهر، فبذل كل وسيلة بيانية ونفسية لصدهم ورد غائلتهم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الشهامة والمروءة من أخص أخلاق النبوة: حماية النزيل وإكرام الضيف والذود عن المستجير واجب أخلاقي وإيماني أصيل لا يتخلى عنه شريف. 2. استفراغ الوسع في إنكار المنكر: بذل الداعية كل طاقته وكلماته ووسائله المتاحة للوقوف في وجه الفساد ومنع العدوان على الحرمات، حتى لو كان وحيداً في الميدان. 3. التأسي بصبر الأنبياء في مواجهة الشدائد: كيف صبر لوط عليه السلام على بذاءة قومه ووقاحتهم، وثبت على موقفه مدافعاً عن الطهارة حتى أتاه الفرج والمدد الإلهي.