وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ
وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ
انتقل السياق الإلهي الحكيم بعد قصة لوط وقومه إلى نبأ أمة أخرى كذبت نبيها وتمردت على أمر ربها، وهم أصحاب الأيكة، قوم نبي الله شعيب عليه السلام. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: "أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام؛ والأيكة: الشجر الملتف المتكاثف، وكان شجر الدوم أو الأثل أو الصنوبر ملتفاً ببلادهم (مدين وما حولها)، وكانوا يعبدون تلك الأيكة، فبعث الله إليهم شعيباً عليه السلام فأمرهم بعبادة الله وحده ونهاهم عن بخس المكيال والميزان والإفساد في الأرض، فكذبوه وظلموا". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} قال: "كانوا ظالمين لأنفسهم بالشرك بالله وبخس أموال الناس بالباطل والعتو عن أمر ربهم وتكذيب رسولهم". وقال الإمام القرطبي: "الأيكة: الغيضة، وهي جماعة الشجر الكثير الملتف، وواحدة الأيكة أَيْكَة، والجمع أَيْك؛ وكانوا أصحاب شجر وبساتين ونعمة بطروا بها وكفروا المنعم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتصل ذكر أصحاب الأيكة بذكر قوم لوط في هذا الموضع؛ لأن كلاً من الأمتين جمعت بين فساد العقيدة وبين شذوذ خلقي واجتماعي واقتصادي عظيم؛ فقوم لوط أفسدوا في الفطرة وغصبوا الأعراض، وأصحاب الأيكة أفسدوا في المعاملات وقطعوا السبيل وبخسوا الناس أشياءهم وظلموا في المكاييل. واستعمال (إن) المخففة المقترنة باللام الفارقة {لَظَالِمِينَ} يبرز التوكيد الحاسم لثبوت وصف الظلم لهم؛ أي أنهم كانوا موغلين في الظلم والعدوان إيغالاً لا شبهة فيه ولا نزاع، فاستحقوا ما نزل بهم من انتقام عدل. وتناسب هذه النظائر مع غرض السورة في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتحذير كفار مكة الذين ظلموا وبخوا وبخسوا وتكبروا عن قبول الحق.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التحذير من الظلم الاقتصادي والاجتماعي: الظلم ليس مقصوراً على الشرك العقائدي، بل يشمل أكل أموال الناس بالباطل والتطفيف في المكاييل وبخس الحقوق، وهو من مهلكات الأمم. 2. شكر نعم الله البيئية والزراعية: الموارد الطبيعية والأشجار والثمار آيات تدعو لتوحيد الله وإعمار الأرض بالعدل لا لإفسادها بالبغي والعدوان. 3. مآلات الاستكبار على الحق: مهما طال أمد الظلم والتمتع بالخيرات، فإن سنة الله في عقاب الظالمين قائمة لا تتخلف.