وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
تختتم سورة مريم المباركة بهذه الآية العظيمة القاطعة، التي تلقي ظلال الرهبة والتحذير لمشركي مكة ولكل طاغية معاند، ببيان مصارع القرون الغابرة الذين بادوا واندثروا حتى لم يبق لهم حس ولا صوت؛ قال الطبري في جامع البيان (18/270)مصدر غير محدد١٨/٢٧٠: «يقول تعالى ذكره: وكثيراً أهلكنا يا محمد قبل قومك هؤلاء اللد الخصماء بالباطل، من قرن من الأمم الماضية الخالية، كقوم نوح وعاد وثمود؛ {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ} يقول: فهل ترى منهم أحداً بعينك فتدركه بحواسك؟ {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} والركز: الصوت الخفي الضعيف». وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} قال: «الركز: الصوت». وفي رواية أخرى عنه: «صوتاً خفياً». وقال الحسن البصري وقتادة: «الركز: الصوت الخفي؛ أي بادوا فلم يبق لهم شخص يرى، ولا صوت يسمع، هلكوا واستؤصلوا جميعاً». وقال ابن كثير في تفسيره (5/265)مصدر غير محدد٥/٢٦٥: «يقول تعالى مخبراً عن القرون الماضية المكذبة بالرسل: كم أهلكنا منهم أمماً كثيرة، كذبوا الرسل فحل بهم بأسنا، فهل تحس منهم أحداً؟ أي هل ترى أحداً منهم؟ أو تسمع لهم صوتاً خفياً؟ أي قد هلكوا وبادوا ولم يبق منهم أحد، ولا أثر لهم، وهذا وعيد وتهديد شديد لكفار قريش ومن نحا نحوهم، أن يصيبهم ما أصاب أولئك المكذبين». وقال السعدي في تفسيره (ص 501)مصدر غير محدد٥٠١: «{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ} أي: من الأمم الكافرة، والقرون العاتية، فلما جاءهم بأسنا استؤصلوا بالهلاك، فصاروا أحاديث وعبرة، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، ولا حس ولا صوت، بل انقرضوا وعفيت آثارهم، فليحذر هؤلاء اللد من نزول مثل ما نزل بأولئك».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي خاتمة السورة المباركة ومسك ختامها ومقطعها الإعجازي الباهر؛ فقد اتصلت بالآية التي قبلها {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}؛ فكأن قومك اللد يغترون بقوتهم وجموعهم، فذكرهم بمصارع أسلافهم من القرون العاتية الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً، فبادوا وصاروا عدماً لا يُحس لهم شخص ولا يُسمع لهم صوت. والتناسب البديع يظهر أيضاً في الملاءمة العجيبة بين مطلع السورة ومقطعها؛ فقد افتتحت السورة بذكر نبي الله زكريا حين نادى ربه: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} في مقام الرحمة والرجاء، فاستجاب الله له ووهبه يحيى وخلد ذكره، واختتمت السورة ببيان مصير المكذبين العتاة الذين انعدم صوتهم تماماً حتى لم يبق لهم {رِكْزًا} أي أدنى صوت خفي! فبين النداء الخفي المستجاب المقبول، وبين انعدام الركز الخفي الهالك المندثر، تكمن عظمة سورة مريم وبلاغتها المعجزة.