يبين زكريا عليه السلام غاية وراثته وما يرجوه من هذا الولي؛ وهي وراثة النبوة والعلم والحكمة وهدي آبائه الكرام من آل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، مضيفاً إلى ذلك رجاء أن يكون هذا الولد مرضياً عند ربه بطاعته وخلقه، ومرضياً عند الناس بحسن سيرته.
روى الطبري (ج 15، ص 453)مصدر غير محدد١٥/٤٥٣ عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: «يرثني نبوتي، ويرث من آل يعقوب نبوتهم». وروى عن قتادة قال: «يرثني ديني ونبوتي، ويرث من آل يعقوب نبوتهم وعلمهم وصلاحهم».
وروى ابن كثير (ج 5، ص 214)مصدر غير محدد٥/٢١٤ عن الحسن البصري ومجاهد والضحاك وزيد بن أسلم أن المراد: وراثة العلم والنبوة والدعوة إلى توحيد الله؛ فإن زكريا عليه السلام كان من ذرية يعقوب بن إسحاق، فطلب أن تتصل سلسلة النبوة والصلاح في بيته وألا تنقطع بعده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«يَرِثُنِي»: الوراثة في أصل اللغة هي انتقال الشيء من شخص إلى آخر بعد موته حساً أو معنى؛ وتستعمل في الأموال والأعيان مجازاً، وفي العلوم والصفات والمقامات حقيقة ومجازاً واسعاً كما في قوله: «العلماء ورثة الأنبياء».
«آلِ يَعْقُوبَ»: الآل هم الأتباع والأهل والذرية الصالحة من سلالة النبي الكريم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.
«رَضِيًّا»: فعيل بمعنى مفعول أو فاعل؛ أي مرضياً عنه عند الله لطهره وتقواه، وراضياً بقضاء ربه، ومرضياً في أخلاقه ومعاملته للناس.
الإعراب والقراءات:
قراءة الجمهور: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ} برفع الفعلين المضارعين على أنهما نعت لـ (ولياً) في محل نصب، وجاز الرفع لأن الفعل المضارع الواقع صفة للنكرة مرفوع لفظاً لتجرده من الناصب والجازم، والجملة كلها في محل نصب.
قراءة الكسائي وأبي عمرو في رواية: {يَرِثْنِي وَيَرِثْ} بجزم الفعلين في جواب الطلب والدعاء (هب لي).
«وَاجْعَلْهُ»: الواو عاطفة، اجعل فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به أول.
«رَبِّ»: منادى مضاف، والياء محذوفة.
«رَضِيًّا»: مفعول به ثانٍ للفعل اجعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الدعاء يمثل غاية التمام والكمال في المسألة؛ فبعد أن بين الحاجة والضعف والخوف من انقطاع رعاية الدين، حدد جوهر الميراث المطلوب، ثم ختم مسألته بالشرط الأعظم في صلاح الذرية: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.
فلم يسأل مجرد ولد يرث المقام، بل سأل أن يكون ذلك الولد مرضياً عند ربه، متصفاً بالصلاح والتقوى؛ إذ لا عبرة بالذرية ولا بقرب النسب إذا لم يكن الابن مرضياً لله متبعاً لأمره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة القائلين بأن الوراثة لا تطلق في لغة العرب إلا على المال:
زعم بعض المعترضين أن إطلاق لفظ «الإرث» حقيقة في المال، وحمله على العلم والنبوة مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة مستحيلة، والأصل الحقيقة.
والمحاكمة اللغوية والعقلية ترد هذا القول رداً قاطعاً؛ فإن القرآن الكريم استعمل الإرث في المقامات المعنوية والكتب السماوية استعمالاً أصيلاً شائعاً، كقوله تعالى في سورة فاطر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، وقوله تعالى في سورة غافر: {وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ}، وقوله تعالى في سورة الأعراف: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. فجعل انتقال الكتاب والجنة وراثة، وهذا الاستعمال في كلام العرب أرفع من الوراثة المادية الفانية؛ فكيف يمتنع حمله هنا والقرائن النبوية والشرعية متظاهرة على تعيينه؟
صيغة المبالغة في «رَضِيًّا»: جاءت على وزن «فَعِيل» للدلالة على ثبوت الرضا واستقراره وصفاً ملازماً للولد في علاقته مع ربه ومع والديه ومع سائر الخلق.
التكرار التضرعي في نداء الرب: تكرار لفظ {رَبِّ} للمرة الثالثة في هذه الآيات الست يكشف عن تدفق مشاعر الخضوع والتذلل، وأن الداعي يستحضر ربوبية الله في كل جزئية من جزئيات مسألته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يضع هذا التوجيه القرآني الميزان الحقيقي لتربية الأبناء؛ فالأب المؤمن لا يفرح بالولد لمجرد امتداد ذكره في الدنيا أو مساعدته في جمع حطامها، بل يفرح به إذا كان «رضياً» قائماً بحدود الله، يرث هدي النبوة ويبلغ رسالة التوحيد.
ودعاء الوالد لولده بالصلاح من أعظم القربات؛ فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة أن يكون لهج دعائهما: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.