قابل آزر تلك الدعوة النبوية الرقيقة المفعمة بالبر والمودة بالفظاظة والغلظة والتهديد؛ فأنكر على إبراهيم زهده في آلهته وأصنامه وإعراضه عنها، وهدده بالقتل رجماً بالحجارة أو بالشتم القبيح إن لم يكف عن دعوته وعيب آلهته، وأمره بأن يفارقه ويبتعد عنه زماناً طويلاً قبل أن ينزل به العقاب.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 533)مصدر غير محدد١٥/٥٣٣ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة في قوله: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}: «أي لئن لم تكف عن شتم آلهتنا وعيب ديننا لأرجمنك بالقول الشتيم؛ وقيل: لأرجمنك بالحجارة قتلاً». وفي قوله: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}: «المليّ هو الدهر والزمان الطويل؛ يقال: عشت ملياً أي زماناً طويلاً؛ وقيل: اهجرني سالماً صحيحاً قبل أن أعاقبك».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 236)مصدر غير محدد٥/٢٣٦ عن السدي قال: «قال له أبوه آزر بغضب وعنف: أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم فلا تريدها؟ لئن لم تنته عن ذكرها بسوء لأرجمنك بالحجارة حتى تموت، ففارقني وابعد عني دهراً طويلاً لا أراك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«أَرَاغِبٌ»: الرغبة إذا عُديت بـ (عن) أفادت الزهد والإعراض والانصراف والترك؛ وإذا عديت بـ (في) أفادت الحرص والطلب والمحبة؛ والمراد هنا: كاره معرض عن عبادة آلهتي.
«لَأَرْجُمَنَّكَ»: الرجم في اللغة الرمي بالحجارة حتى القتل؛ ويستعمل مجازاً في الشتم والسب المقذع؛ يقال: رجمه بالكلام إذا شتمه.
«وَاهْجُرْنِي»: الهجر هو المفارقة والمباعدة بالبدن واللسان.
«مَلِيًّا»: فَعِيل من المَلاوة والمَلا وهو المدة الطويلة من الزمان؛ يقال: أقام ملياً من الدهر إذا طالت إقامته؛ وقيل: من الملاءة وهي السلامة والصحة؛ أي اهجرني وأنت مليّ سوي البدن قبل أن أفتك بك.
«أَنتَ»: ضمير منفصل مبني في محل رفع فاعل لـ (راغب) سد مسد الخبر.
«عَنْ آلِهَتِي»: جار ومجرور متعلق بـ (راغب)، والياء مضاف إليه.
«يَا إِبْرَاهِيمُ»: يا حرف نداء، إبراهيم منادى مبني على الضم في محل نصب.
«لَئِن»: اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
«لَّمْ تَنتَهِ»: لم جازمة، تنته فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) وهو فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره أنت.
«لَأَرْجُمَنَّكَ»: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، أرجمَنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم.
«وَاهْجُرْنِي»: الواو عاطفة، اهجر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر، والنون للوقاية والياء مفعول به.
«مَلِيًّا»: ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ (اهجرني)؛ أي دهراً طويلاً؛ أو حال منصوبة؛ أي سالماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذه المقابلة بين منطق النبوة الرحيم ومنطق الشرك الغليظ!
إبراهيم خاطب أباه بأربع مرات بـ {يَا أَبَتِ} مفعمة بالبر والأدب والحرص على نجاته.
وتقديم الوصف في قوله: {أَرَاغِبٌ أَنتَ} يفيد التعجب الإنكاري والتبكيت؛ كأنه يستعظم كيف يجرؤ هذا الفتى على احتقار آلهة القوم التي عكف عليها الكبراء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
محاكمة عجز الباطل واستناده إلى البطش والقمع:
تكشف هذه الآية طبيعة الصراع بين الحق والباطل في كل عصر؛ فحين تفلس قوى الشرك والباطل من الحجة والبرهان أمام نور الوحي والعقل، فإنها تلجأ فوراً إلى سلاحها القديم: «التهديد بالقوة، والبطش، والرجم، والإقصاء، والنفي».
فآزر لم يناقش أدلة إبراهيم العقلية على عجز الأصنام، ولم يجب عن سؤال: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ}، بل واجه المنطق بالعنف والتهديد؛ وهذا برهان ساطع على إفلاس الشرك وانقطاع حجته.
إسقاط لقب البنوة: ناداه باسمه {يَا إِبْرَاهِيمُ} ولم يقل «يا بني»؛ إشعاراً بالجفاء والغلظة والغضب الماحق لعواطف الأبوة الفطرية بسبب التعصب للأوثان.
التوكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَأَرْجُمَنَّكَ}: إبراز لشدة الحنق وإصرار المشرك على البطش واستئصال صوت الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا الموقف الداعية على الصبر على جفاء المدعوين وغلظتهم؛ فالطريق محفوف بالابتلاءات والتهديد، ومن أُوذي في الله من أقرب الناس إليه فله في خليل الرحمن أسوة حسنة.
كما يحذر من التعصب الأعمى للموروثات الفاسدة؛ فإن التعصب يغلق منافذ العقل ويحول الإنسان إلى وحش كاسر يبطش بأقرب الناس إليه انتصاراً لحجارة صماء أو أوهام باطلة.