يواصل المسيح عليه السلام بيانه لما حباه الله به من الفضائل والخصائص الرسالية؛ فأخبر أن ربه جعله مباركاً نفاعاً للخلق معلماً للخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر أينما حل وارتحل، وأنه أمره وأوصاه بالتمسك بأعظم فريضتين: الصلاة التي هي صلة العبد بربه وحقه الواجب، والزكاة التي هي حق الضعفاء والمساكين والإحسان إليهم، ما دام في قيد الحياة الدنيا.
روى الطبري في جامع البيان (ج 15، ص 508)مصدر غير محدد١٥/٥٠٨ عن سفيان الثوري ومجاهد في قوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} قالا: «جعله معلماً للخير نفاعاً حيثما كان». وروى عن قتادة قال: «مباركاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدل على الله».
ونقل ابن كثير (ج 5، ص 230)مصدر غير محدد٥/٢٣٠ عن السلف أن في قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} دلالة قاطعة على أن الصلاة والزكاة هما عماد الشرائع السماوية كلها، لم تخلُ منهما شريعة نبي قط؛ فالصلاة إخلاص للمعبود، والزكاة إحسان للمخلوقين؛ وبهما ينتظم صلاح الدنيا والدين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
«مُبَارَكًا»: اسم مفعول من بارك يبارك، والبركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء ونماؤه واتساعه واستمراره؛ والمبارك هو الذي يُرجى خيره ويُؤمن شره ويفيض نفعه على من حوله.
«أَيْنَ مَا»: اسم شرط جازم أو ظرف مكان متضمن معنى الشرط؛ وما زائدة لتوكيد العموم والاستغراق لجميع الأمكنة والظروف.
«أَوْصَانِي»: الوصية هي الأمر المؤكد المقرون بالنصح والعهد الجازم المعظم.
«مَا دُمْتُ حَيًّا»: ما مصدرية ظرفية؛ أي مدة دوامي حياً واستمرار حياتي في هذه الدار.
الإعراب:
«وَجَعَلَنِي»: الواو عاطفة، جعلني فعل ماض والفاعل مستتر والياء مفعول به أول.
«مُبَارَكًا»: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
«أَيْنَ مَا كُنتُ»: أين اسم ظرفي مبني على الفتح في محل نصب ظرف مكان متعلق بـ (مباركاً)، ما زائدة، كنت فعل ماض تام أو ناقص والتاء اسمها أو فاعلها.
«وَأَوْصَانِي»: الواو عاطفة، أوصى فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر، والنون للوقاية والياء مفعول به.
«بِالصَّلَاةِ»: جار ومجرور متعلق بـ (أوصاني).
«وَالزَّكَاةِ»: معطوف على الصلاة مجرور.
«مَا دُمْتُ حَيًّا»: ما مصدرية ظرفية، دمت فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمها، حياً خبر دام منصوب بالفتحة الظاهرة، والمصدر المؤول في محل نصب ظرف زمان متعلق بـ (أوصاني)؛ أي مدة حياتي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يقرن بين النفع المتعدي للخلق والنفع القاصر الذاتي؛ فبدأ بـ {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} وهو النفع المتعدي بالتعليم والشفاء والهداية والبركة في كل موضع يحل فيه، ثم ثنى بما يلزمه هو في خاصته من دوام العبودية: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}؛ ليعلم أن البركة لا تدوم ولا تثمر إلا بملازمة الصلة بالله وأداء حقوق العباد.
وتأقيت الوصية بـ {مَا دُمْتُ حَيًّا} يرسخ حقيقة بشريته؛ فالذي يرتبط تكليفه بالحياة والموت مخلوق تجري عليه أحوال المخلوقين ولا يمكن أن يكون إلهاً حياً قياماً أزلياً لا يموت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة خلو شريعة المسيح من الزكاة المفروضة:
قد يزعم بعض أهل الكتاب أن شريعة عيسى عليه السلام كانت رهبانية محضة لا تشتمل على نظام الزكاة والمال والأحكام العملية.
والقرآن الكريم يحاكم هذه الدعوى بصريح الآية: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}؛ فالزكاة ركن ركين في دين الأنبياء جميعاً، وقد فرضها الله في شريعة عيسى لتطهير أموالهم وإغاثة فقرائهم، ولكن أحبار النصارى أهملوا الشريعة واستبدلوها بالرهبانية المبتدعة حتى ضيعوا أحكام الله.
إطلاق البركة في كل مكان {أَيْنَ مَا كُنتُ}: تعبير استغراقي باهر يدل على أن روح المؤمن الحقيقي روح طيبة مباركة كالغيث أينما وقع نفع، لا تحده حدود جغرافية ولا تعوقه تقلبات الزمان والمكان.
اقتران الصلاة بالزكاة: توأمة قرآنية دائمة تجمع بين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله؛ فلا تستقيم صلاة بغير عطف على المساكين، ولا تُقبل زكاة بغير إقامة للصلاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
يربي هذا النص المسلم على أن يكون «مباركاً أينما كان»؛ ينشر الخير والسلام، يعلم الجاهل، يغيث الملهوف، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فحضوره غنيمة وغيابه حسرة.
كما يعلمنا المداومة على الصلاة حتى آخر رمق في الحياة؛ فلا تسقط الصلاة عن المكلف ما دام عقله ثابتاً وفيه عرق ينبض بالحياة.